Uncategorized

عباس الماحى نقطة سطر جديدالسماءُ والنيلُ والرمالُ والخُضرة

عباس الماحى يكتب… نقطه سطر جديد

عباس الماحى

عباس الماحى

حين تجتمع السماءُ والنيلُ والرمالُ والخُضرة، كأنّ الكون يعيد كتابة قصيدته الأولى؛ تلك التي لم تُدنَّس بضوضاء المدن ولا بتعب الحياة ومعاناتها…
السماء فوقك تمتدّ كحضنٍ لا نهاية له، زرقاء كحلمٍ طاهر، تهمس للروح بأنّ هناك فسحةً أوسع من كلّ همّ…وفي انعكاسها على صفحة النيل ترى صورتين للجمال: واحدة في العلو، وأخرى في العمق؛ كأنّ الماء مرآةٌ لسرٍّ سماويّ لا يُفصح عنه.
فالسماء لا تُرى بالعين فقط، بل تُقاس بمدى اتساع القلب لها.
النيل يمضي هادئًا، كحكيمٍ عتيق، يحمل في جريانه حكايات الزمن، ويغسل ضفافه بصبرٍ لا ينفد…صوته موسيقى تتسلّل إلى القلب فتسكّنه، وتُذكّر الإنسان بأصله الأول… قطرةُ ماءٍ تبحث عن معنى الحياة.
كلُّ نهرٍ يعرف الطريق، لأنّه لا يخاف الانسياب.
وعلى الضفاف تمتدّ الرمال كلوحةٍ ذهبية، ساكنة في ظاهرها، لكنها تخبّئ في ذرّاتها حرارة الشمس وذاكرة القرون…هي ليست جفافًا كما يظنّ البعض، بل صمتٌ عميق يتيح لك أن تسمع نفسك بوضوح، وأن تدرك كم أنّ البساطة قد تكون أكثر ثراءً من كلّ تعقيد.
في الصمت، تتكلّم الأشياء بأصدق لغاتها.
ثم تأتي الخُضرة كابتسامة الأرض، تزيّن المشهد وتكسره بلطف. أشجارٌ تنبض بالحياة، وأوراقٌ تهمس مع النسيم، تُعلن أنّ الأمل لا يموت، وأنّ الماء إذا مرّ أنبت، وأنّ الحياة قادرة دائمًا على أن تجد طريقها، حتى في قلب الصحراء.
حيثما مرّ الماء، كتبت الأرض سيرة الحياة من جديد.
وفوق تلك الخُضرة تحلّق الفراشات بخفّةٍ لا تُرى إلا لمن تأمّل؛ أجنحتها ألوانٌ حيّة ترقص في الهواء، تهبط على الأزهار برفق، وترتشف رحيقها كأنها تتذوّق سرّ الحياة، ثم تعود لتحلّق، لا تحمل إلا بهجةً صغيرة تتركها خلفها.
وفي الأفق القريب تتعالى أصوات الطيور، نداءاتٌ متقطّعة لكنها دافئة… كأنها تُحيّي المكان، أو تتبادل حكايات النهار قبل أن يمضي…زقزقاتها تتداخل مع خرير الماء، فتكتمل سيمفونية لا تحتاج إلى قائد.
في هذا اللقاء، لا تعود الطبيعة عناصر متفرّقة، بل تصبح سيمفونية متكاملة:
سماءٌ تُلهم، ونيلٌ يُغنّي، ورمالٌ تُصغي، وخُضرةٌ تُبشّر، وفراشاتٌ تُلوّن، وطيورٌ تُنشد.
وهناك، بين كلّ هذا الجمال، يقف الإنسان صامتًا… لا لأنه عاجز عن الكلام، بل لأن الكلمات، مهما بلغت، تعجز أن توازي روعة المشهد.
حين ينساب المشهد عمقًا، تتكشّف تفاصيله كلوحةٍ تُرسم ببطءٍ على صفحة الزمن، لا بعجلة اللحظة.
على الضفاف، لا تبقى الرمال وحدها سيّدة المكان، بل تتجاور معها جداول صغيرة كخيوطٍ فضيّة تتسلّل بخجلٍ من جسد النيل…تنحني بين العشب، وتلتفّ حول جذوع الأشجار، كأنها تبحث عن حضنٍ تستقرّ فيه، صوتها خافت لكنه حيّ… همسٌ مائيّ يشبه حكاية تُروى في الليل، لا تُسمع بالأذن فقط، بل تُحَسّ في القلب.
وحين تدور السواقي القريبة، يعلو صوتها الخشبيّ المنتظم كنبضٍ قديم للأرض…إيقاعٌ لا يملّ ولا يتغيّر، كأنه يربط الحاضر بالماضي.
ومع كل دورة، يرتفع الماء ثم ينساب، كأنّ الأرض تشرب على مهل.
الزمن لا يُقاس بالساعات، بل بما يتركه في الروح من أثر.
الهواء عند العصر يصبح ألين، يحمل رائحة الطمي ورطوبة النهر ممزوجةً بعطر الخُضرة. الأشجار تميل قليلًا، لا من ضعف، بل من دلال، كأنها ترقص على أنغام السواقي وخرير النيل. الفراشات تُبطئ حركتها، كأنها تتعب من نهارٍ طويل، بينما الطيور ترفع أصواتها أكثر، وكأنها تجمع ما تبقّى من الضوء في نداءاتها الأخيرة.
ومع اقتراب الغروب تبدأ السماء في تبديل ثوبها. تهبط الشمس ببطء، وينعكس نورها على النيل كطريقٍ من ذهب… تعود الطيور إلى أعشاشها، وأجنحتها ترسم خطوطًا سريعة في السماء، ويخفت صوتها تدريجيًا، كأن النهار يُطوى على أنغامها.


ثم يولد الليل…
تظهر أول نجمة، ثم يتبعها سربٌ من الضوء. يرتفع القمر، وينسكب نوره على النيل كفضّةٍ سائلة. تختفي الفراشات، لكن أثرها يبقى في سكون الأزهار، وتتحوّل أصوات الطيور إلى همساتٍ بعيدة، كذكرى قريبة.
الآن يتغيّر الصوت… خرير الماء يصبح أوضح، والسواقي كأنها تهمس بدل أن تنبض. الليل لا يُلغي الحياة، بل يكشف جانبها الخفيّ؛ كلّ شيء يغدو أكثر صدقًا، وأكثر قربًا من الروح.
وهناك…بين امتداد السماء وعمق النيل وسكون الرمال ونبض الخُضرة،
يذوب الإنسان في المشهد حتى لا يعود يرى نفسه منفصلًا عنه، بل جزءًا منه؛ كأنه لا يقف أمام لوحة، بل يدخلها،
كأنّ الروح تعود إلى أصلها، قطرةً في نهرٍ،
وظلًّا على رمال الزمن.
وهنا تدرك — متأخرًا وبسلام —
أن الجمال ليس ما تراه العين،
بل ما يبقى فيك…
حين يغيب كلّ شيء.
نقطةُ صمتٍ بين صوت الماء، ونفَسٌ هادئٌ تحت سماء لا تنتهي

عباس الماحى

بصيرتي برس بصيرة الوطن

عباس الماحى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى