الأخبار المحليةالرأي والمقالات

حمى الضنك -كابوس الواقع

نازك الشوش

أوراق 

نازك الشوش

“حمى الضنك -كابوس الواقع”

من أكثر الإمور الواهنة التي قذفت علي عاتقي هي واقعنا الذي بات أمّر من الحنظل ، في وطن أقل ما يقال عنه أنه ” وطن حنون لكنه مبتور اليدين لا يقوى على ضمنا كما كان قبل الحرب “ فالحقيقة أن الأوطان عندما تدميها الحروب ، تضحى تفاصيلها فيها ولزمن طويل ، أشبه بالمشاهد الذي تُحاكي نهاية العالم في أفلام الزومبي على طراز شاشات هوليود ، وهذا تماماً ما شاهدناه جميعاً في الأحداث التي جرت في الخرطوم اولاً ، والجزيرة ” جنوبها وشرقها “ وما يحدث الأن في الفاشر .. فأنا هنا

لأأتحدث عن تلك الإنتهاكات والفظائع التي حدثت ،فأقلامي وأقلام غيري جف نزيفها وارتخت قوتها وهي تسرد الألم الذي لمَّ بالبلاد ، انا هنا لينزف قلمي بما يجرى الأن في الولايات التي بعثرتها الحرب وخاصة ولاية الخرطوم وولاية الجزيرة ، متغاضية تماماً عن نطاق الحرب ومؤامرات الدعم السريع المستمرة لهدم ما تبقى من البلاد ومعاودة هدم ما يُعاد إصلاحه .. فمواطن الخرطوم والجزيرة يُفتك من جديد ، نعم يُفتك ولكن هذه المرة بالأمراض والأوبئة، وغلو ما يسد به جوعه ،الأسعار في تزايد مستمر لدرجة يُخيل لك أننا وإن نجونا من الحرب لن ننجو من (الجوع ) فالإنسان هناك لم تعد لديه ( رفاهية التشبث ) إنه يألَّف العيش فحسب كما ألَّف البقاء في معسكرات النازحين، نعم إنه يألَّف العيش في داره وسط تلك الأمراض الفتاكة ليس حباً ولا نجاة ، ربما محاولة يائسة كي يُثبت أنه أقوى من أن يزعزع ثباته مرض أو جوع ، ومن المؤسف أن عزاء المجتمعات الاخرى( أن هذه الأمراض في المناطق التي تنهض بتثاقل من آثار الحرب شئ عادي ناجم عن بقايا الجثث) وهذا يُذكرني بالمقولة التي تقول ( اليدو في النار ما زي اليدو في الموية ) فهذه المجتمعات سمعت فقط ولكن لم تر كمية الجنائز التي تتساقط كل يوم بسبب ( حمى الضنك ) تلك الحمى التي باتت كابوس يُكاد يُضاهي كابوس الدعم السريع قبل خروجهم من تلك المناطق ، تلك المجتمعات تسمع من بعيد ولم تتجول في شوارع تلك المناطق ولم تر فوارغ العلاجات المرتمية عند كل قارعة طريق وللأسف كل قمامة تخرج من المنازل لا تكاد تخلوا من فوارغ دربات البندول فكل الأراضي هناك مكدسة بتراب الألم والمرض والجوع وعند الحديث عن رسوم المدارس او الجامعات يبقى رد الأهالي ( هو نحن لاقيين ناكل ولا نتعالج ) ومع كل هذا الألم والمعاناة ما يزال المواطن صامد كصمود زيتون القدس ولكن لم ينس معاناته التي يراها أبناء شعبه شئُ عادي ،ولم ينسى التخاذل العربي فقد كان بالإمكان أخذ ما يجري على أنه كارثة يجب أن تؤخذ على محمل الجد لا على أنه شئ من مخلفات الحرب ، ابداً لن ينسى أرضه التي كانت من قبل شظايا مُلطخة بالدماء، اما الأن مُفعمةٍ برائحة الموت والأوبئة متمازجةً بغبار الدمار فغدت علقماً في الأنفاس وهذا فقط القليل من الكثير، هذا الكابوس الذّي يقصُّ الواقع هناك.

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى