Uncategorized

1″لأن ناس فلان دخلوا ولدن كليةالطب!… حين يتحول الطموح إلى سباق اجتماعي”

لأن ناس فلان دخلوا ولدن كليةالطب!

استشاري اجتماعي
د. الامين محمد البشير

في إحدى الجلسات الأسرية، قالت أم بفخر قاطع:
“لازم ولدي يدخل كلية الطب، ما بقبل بغيرها.”
عبارة تتكرر في كثير من بيوتنا السودانية، وتخرج غالبًا دون تفكير، لكنها تختصر في داخلها ضغوطًا نفسية واجتماعية معقدة: ضغوط تتوزع بين رغبة الأم في الافتخار بولدها، وبين قدرتها المالية المحدودة، وبين تجاهلها لقدرات الابن الفعلية وميوله.
هذه الجملة العفوية ليست مجرد حلم أم، بل تعبير عن عقلية اجتماعية تربط النجاح بالمظاهر التعليمية لا بالكفاءة أو الشغف.
فتصبح كلية الطب، أو الهندسة، أو الصيدلة، رمزًا للوجاهة الاجتماعية، لا لمستقبل علمي اختاره الطالب بإرادته.
حين يختنق الطموح بحسابات المقارنة

المشكلة لا تبدأ عند الابن الذي يذاكر ولا يستطيع بلوغ الدرجات المطلوبة، بل عند الأهل الذين يفرضون عليه مسارًا لا يشبهه.
تقول إحدى الأمهات في جلسة إرشاد أسري في الخرطوم: “أنا ما درست ولا عرفت فرصتي في الزمن دا، لكن عايزة أعيش حلمي في ولدي.”

إلا أن هذا “الحلم” الذي يبدو حنونًا ظاهريًا، يتحول في الواقع إلى عبء قاسٍ على الطرفين:

  • على الأب الذي يواجه ضغطًا ماليًا ليتحمّل تكاليف دراسة مكلفة أحيانًا خارج قدرته.
  • وعلى الابن الذي يعيش صراعًا داخليًا بين رغبته الحقيقية وواجب إرضاء والديه.
    بهذه الطريقة، تتحول الأسرة – دون وعي – إلى حلبة تنافس اجتماعي لا علاقة لها بجوهر التربية.

“ناس فلان”… عندما يتحكم المجتمع في رغباتنا
الجملة الشعبية المتكررة “ناس فلان ديل أحسن مننا في شنو؟”
ليست مجرد تذمر، بل محرّك نفسي يدفع كثيرًا من الأمهات إلى قرارات تربوية خاطئة.
فالرغبة في مجاراة الآخرين أو التفوق عليهم على مستوى المظاهر (المنازل، المدارس، الكليات) تجعل بعض الأسر تضع معايير النجاح بناءً على المقارنة لا القناعة.

الأخصائية الاجتماعية سحر عبد الرازق من أم درمان تشير إلى أن “هذا النوع من التفكير يربّي أبناءً يعانون من اضطراب الهوية المهنية، لأنهم لم يختاروا طموحهم بأنفسهم.”
فالمجتمع الذي يربط النجاح بعنوان الكلية فقط، يهمّش المهن الفنية والمجالات الإبداعية، ويجعل الشاب الذي يريد أن يكون مصممًا أو صحفيًا أو رياضيًا يشعر بالدونية مقارنة بمن دخل كلية الطب.

الأبعاد الاقتصادية والنفسية:

في بعض الحالات، يصرّ الأبوان على تحقيق حلم “الطب” رغم علمهما أن الإمكانات المالية لا تسمح.
فتدخل الأسرة في دوامة ديون ومصاريف لا طاقة لها بها، بهدف الحفاظ على “الصورة الاجتماعية”.
ويتحول الحلم التربوي إلى أزمة حقيقية داخل البيت، تبدأ بالمشادات وتنتهي بالندم.

أما من الجانب النفسي، فإن إلزام الابن بمسار لا يختاره يؤدي غالبًا إلى:

  • فقدان الدافعية الأكاديمية.
  • التوتر والقلق وشعور بالدونية إذا فشل في مواكبة المتفوقين في التخصص.
  • تولّد شعور بالذنب تجاه الأهل، بدلاً من الفخر بالذات.

يقول الأخصائي الاجتماعي أحمد صالح: “من أبشع صور الضغط الأسري أن يُحمَّل الابن حلمًا ليس له، وديونًا لم يطلبها. النجاح الحقيقي هو أن يعيش الإنسان ذاته، لا حلم الآخرين.”
الرؤية المهنية: توجيه الطموح لا فرضه

من منظور الأخصائي الاجتماعي، لا أحد يطلب من الأهل إطفاء أحلامهم، لكن المطلوب هو إدارتها بوعي تربوي وإنساني.
وهذا الوعي يقوم على ثلاثة مرتكزات:

  1. التبصير بقدرات الأبناء:
    ليس كل طالب مؤهل ليكون طبيبًا، كما أن الطبيب ليس أرقى من المعلم أو المهندس أو الفنان. لكل مجال قيمته ووظيفته الاجتماعية.
  2. الاحترام المتبادل بين الحلم والواقع:
  3. ⁠التعامل مع الإمكانيات المادية بواقعية لا يعني ضعف الطموح، بل يعني إدارة رشيدة للحياة.
  4. التحرر من المقارنة:
    لا توجد “أسر مثالية” يجب أن نقلدها. لكل بيت ظروفه، ولكل ابن قدراته ومساره الخاص.

الوقاية من ضغط التوقعات:
للوقاية من هذه الظاهرة، يقترح المختصون الاجتماعيون:

  • عقد جلسات حوار دوري بين الآباء والأبناء لمناقشة الميول المهنية بصدق.
  • إشراك الأبناء في القرار منذ المراحل المدرسية، لا بعد إعلان النتيجة.
  • تنظيم برامج إرشاد مهني في المدارس السودانية تساعد الأسر على فهم قدرات أبنائهم الواقعية.
  • تشجيع الإعلام على إبراز نماذج نجاح خارج الطب والهندسة، لتوسيع مفهوم التفوق.

إن التربية الواعية لا تسعى لجعل الأبناء “ينجحون أكثر”، بل تسعى لجعلهم سعداء أكثر بما ينجحون فيه.

الأخصائي الاجتماعي وصناعة الوعي الأسري:

يؤكد المختصون أن دور الأخصائي الاجتماعي هنا ليس الوعظ أو النقد، بل المرافقة المهنية للأسرة لتكتشف إمكانياتها وحدودها الواقعية.
فهو يساعد الأم على فهم أن حبها الصادق لابنها لا يعني أن تختار مستقبله، والأب على تقبّل أن قوته الحقيقية ليست في إنفاقه المادي، بل في دعمه النفسي.
كما يسعى الأخصائي إلى تحويل الدافع الاجتماعي السلبي (“ناس فلان أحسن مننا”) إلى دافع إيجابي للتطوير الذاتي، بعيدًا عن روح المقارنة المرهقة.

خاتمة: الحلم الذي يجب أن يتنفس

قد يكون حلم الأم في دخول ابنها كلية الطب نابعًا من حب واعتزاز، لكنه يحتاج إلى أن يُعاد صياغته في قالب واقعي تربوي.
فليس المهم أن يعلّق الابن شهادة مكتوبة عليها “دكتور”، بل أن يجد نفسه في طريقٍ يبدع فيه ويشعر بالفخر الحقيقي.
والمجتمع الذي يتفاخر بتنوع نجاحات أفراده هو مجتمع ناضج، لا يقيس القيمة بنوع الشهادة بل بعمق الإنجاز.

~ سؤال الأسبوع:
هل ترى أن طموحات الأمهات المبالغ فيها لأبنائهن نوع من الحب المشروع أم ضغط اجتماعي متوارث؟

وكيف يمكن للأسرة السودانية أن توازن بين الطموح والتقدير الواقعي للقدرات والإمكانات؟

بصيرتي برس بصيرة الوطن… بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى