Uncategorized

عباس الماحى نقطة سطر جديدإنَّ في الصمتِ كلامًا


عباس الماحى نقطة سطر جديدإنَّ في الصمتِ كلامًا

الصمتُ صديقٌ لا يخون أبدًا، ويكون أحيانًا أبلغَ من الكلام…ومنذ فجر الحكمة الإنسانية، أدرك الحكماء أن الصمت ليس فراغًا بين الكلمات، بل لغةٌ قائمةٌ بذاتها، تُقال بلا صوت وتُفهم بلا شرح. فليس كل ما يُقال يُعبّر، وليس كل ما يُصمت عنه يُخفى؛ إذ كثيرًا ما يحمل الصمت من المعاني ما تعجز عنه العبارات وبلاغة الكلمات.
ليس الصمتُ دائمًا غيابًا للصوت، بل حضورٌ مختلفٌ للكلمة حين تختار الحكمة أن تتقدّم على الانفعال، فالكلام قدرة، لكن الصمت أحيانًا وعيٌ أعلى؛ لأن الإنسان لا يُقاس بما يستطيع قوله، بل بما يعرف متى لا يتكلم.
في حياتنا اليومية نواجه سيولًا من الأحاديث والنقاشات؛ بعضها يُثري الفكر ويقرّب القلوب، وبعضها الآخر لا يحمل إلا إفلاسًا وإزعاجًا وقسوةَ عباراتٍ وسوءَ ظنٍّ…وهنا يظهر المعنى الحقيقي للصمت؛ ليس عجزًا عن الرد، بل إدراكًا بأن بعض الكلام يفقد قيمته لحظة خروجه، وأن بعض النقاشات تهبط بمستوى صاحبها إن شارك فيها.
فالابتعاد عن الأجواء المضطربة، ومجالسة أصحاب الألفاظ غير اللائقة، يحفظ الإنسان من الانزلاق إلى معترك الجدل، ويصون لسانه من أن يعتاد ما لا يليق؛ فالصمت في مثل هذه المواطن ليس فقط راحة، بل انتصارٌ هادئٌ لأصحاب الرأي السديد.
فليس كل حديثٍ أو سؤالٍ يستحق جوابًا، ولا كل كلمةٍ تستوجب ردًّا….هناك كلماتٌ تُقال لا بحثًا عن الحقيقة، بل رغبةً في الاستفزاز أو الانتصار الوهمي، وحينها يصبح الصمت ردًّا راقيًا، يعلن أن النفس أسمى من أن تنحدر إلى مستوى لا يليق بها.
إن الرد على كل شيء يُرهق الروح؛ فبعض الناس لا يبحثون عن الفهم، بل عن الجدل، ولا يمتلكون ثقافة الحوار؛ فالكلمات غير اللائقة لا ترتقي لتكون موضوع نقاش أصلًا؛ لأن الرد عليها يمنحها قيمة لم تكن تملكها، لذلك كان الصمت أحيانًا موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون اختيارًا شخصيًا.
إن للصمت هيبةً؛ فالصامت الواثق يفرض حضوره دون أن يرفع صوته، ويترك أثره دون أن يُكثر من التبرير… فبعض الأشخاص كلما استرسلوا في الحديث قلَّت قيمتهم، بينما يزداد آخرون احترامًا كلما اختاروا الصمت في موضع الكلام.
هيبة الصمت تنبع من الاتزان، ومن قدرة الإنسان على السيطرة على انفعاله، وعدم الانجراف وراء الاستفزاز….فالصمت هنا ليس انسحابًا، بل سيطرة راقية على الموقف، ورسالة غير منطوقة تقول: إنني أسمو بنفسي عن كل ما لا يضيف معنى.
ولهذا كثيرًا ما يُفسَّر الصمت قوة؛ لأن من يملك الرد ويؤجله، يعلن أنه لا تحكمه اللحظة، بل يحكمها وعيه.
الصمت هنا ليس ضعفًا، بل قوة هادئة؛ قوة من يعرف أن الكرامة لا تُدافع عن نفسها بالصراخ، وأن الاحترام لا يُفرض بالجدال، بل يُحفظ بالانسحاب الواعي، فحين يترفع الإنسان عن الرد، فهو لا يخسر المعركة، بل يرفض الدخول في معترك معركة لا تليق به.
وقد قيل إن أرقى درجات النضج والحكمة أن تدرك أن ليس كل ما يُقال يستحق أن يُسمع، وليس كل ما يُسمع يستحق أن يناقش… فبعض الكلمات تموت حين تُقابل بالتجاهل، وتكبر فقط حين تجد من يغذيها بالردود.
وفي الصمت سلامٌ داخلي؛ إذ يمنحنا فرصة لحماية قلوبنا وألسنتنا من التلوث اللفظي، وعقولنا من الانشغال بما لا يضيف معنى. فكم من خلافٍ انتهى لأنه لم يجد من يؤججه، وكم من فتنةٍ خمدت لأن أحدهم اختار الصمت بدل الرد.
الصمت أيضًا احترامٌ للذات؛ لأن الإنسان حين يختار كلماته بعناية، يختار كذلك معاركه بعناية.، وليس من الحكمة أن ننفق طاقتنا في تبرير الواضح، أو الدفاع عن الحق أمام من لا يريد رؤيته.
ولعلَّ اللافت أن أقلَّ الناس كلامًا هم العلماء والحكماء؛ لأن المعرفة تُورث صاحبها تواضعًا وعمقًا لا صراخًا وضوضاء… فكلما ازداد الإنسان علمًا، أدرك أن الكلمات مسؤولية، وأن الصمت أحيانًا أصدق تعبيرًا من الخطب الطويلة، ولهذا قيل: خير الكلام ما قلَّ ودلّ؛ فالحكمة لا تُقاس بكثرة الحديث، بل بوزن المعنى الذي تحمله الكلمة حين تُقال في وقتها المناسب.
ومع ذلك، فالصمت ليس دائمًا الحل؛ فهناك مواقف يكون الكلام فيها واجبًا حين يُظلم إنسان أو تُغيَّب الحقيقة، لكن الفرق كبير بين صمت الحكمة وصمت الخوف؛ فالأول اختيار الأقوياء، والثاني هروب الضعفاء.
إن الصمت الذي نتحدث عنه هو صمت الوعي؛ صمت من فهم أن القيمة الحقيقية ليست في آخر كلمة تُقال، بل في آخر أثرٍ يبقى.
وليس الانتصار أن ترد على كل من تحدث، ولا أن يكون لك دائمًا الصوت الأعلى، بل أن تعرف متى تصمت، ولماذا تصمت، ولمن تصمت…فبعض المعارك لا تُربح بالكلمات، بل تُربح بتجاهلها، وبعض الانتصارات لا تُعلن، لكنها تُرى في سكينة النفس ونقاء القلب.
وحينها فقط ندرك المعنى العميق لهذا العنوان الذي يلخص التجربة الإنسانية كلها:
إنَّ في الصمتِ كلامًا… كلامًا لا يُسمع بالأذن، بل يُفهم بالبصيرة، ويُحفظ في القلوب أكثر مما تحفظه الضوضاء.
وليس أعقل الناس أكثرهم حديثًا، بل أكثرهم معرفةً بمتى يكون الصمت أبلغ من الكلام.

بصيرتي برس بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى