عباس الماحى نقطة سطر جديدقولوا لهم.. إن للصبر حدوداً
عباس الماحى

قولوا لهم بوضوح:
إن التاريخ لا يرحم،
وأن ما يُرتكب اليوم
سيبقى وصمة عار
تُسجَّل باللون الأسود
في سجل دويلتكم،
بقتل الأبرياء،
وتشريدهم من ديارهم،
دون أي اعتبار
لحرمة النفس التي عظّمها الإسلام،
ولا لدمٍ قال الله فيه:﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾
[ المائدة: 32]نبدأ بسؤال…
أين كبارها وحكماؤها؟
أين من يُفترض أن يكونوا بوصلة العقل،
وصوت الاتزان،
ومن يرشُدون السفينة حين تشتدّ العواصف
إلى طريق العدل،
لا إلى منحدرات المصالح الضيّقة؟
قولوا لهم… إن للصبر حدودا….
ففي زمنٍ تختلط فيه الحقائق، وتُشترى فيه المواقف، كما تُشترى السلع… نقف في مساحةٍ ضيّقة بين الدهشة والحيرة،
نطرح أسئلةً كثيرة
ولا نجد من يجرؤ على الإجابة عنها… ننظر حولنا فنرى أموالًا تتدفّق، لكنها لا تداوي جراح الجائعين،
ولا تمسح دمعة يتيم،
ولا تُنقذ قريةً مسحوقة
في أطراف الأمة المنسية… بل تُوجَّه ببرودٍ محسوب
لصناعة نفوذٍ مشبوه،
واستخدام وكلاء،
وشراء أدواتٍ متعدّدة
تُسهم في تقويض دول،
وزعزعة استقرار شعوب،
وتدمير أوطانٍ
لم تكن يومًا خصمًا،
بل كانت سندًا وملاذًا
وشريكًا في البدايات.
وهنا تبدأ الحيرة…
لماذا لا تُرى تلك الأموال
في مخيّمات الفقر؟
لماذا لا تُنفق على إعانة الأطفال، وبؤس المسلمين المنسيّين؟
لماذا تُرسل بسخاء
إلى دولٍ غنيّة،
وإلى مشاريع لا تحصد
إلا الخراب؟
أسئلة تتراكم… ولا جواب ! ، فنبحث عمّن يُطفئ عطش التساؤل،
ولا نجد إلا الصمت، أو التبرير.
قولوا لهم…
إننا لا نتحدّث عن شعوب، فالشعوب في كثيرٍ من الأمكنة
ضحيّة، بل نتحدّث عن حكام اختاروا أن يجعلوا المال بوصلة،
وأن يحوّلوا الدويلة
من كيانٍ له تاريخ وانتماء، إلى مشروع مصالح مجرّد عارٍ من أي بعدٍ أخلاقي.
قولوا لهم.. إن تلك الدويلة المسلمة،
الصغيرة في مساحتها،
الكبيرة في ثروتها،
لم تكتفِ بالابتعاد عن قضايا أمتها، بل تجاوزت ذلك إلى أطماعٍ صريحة
في ثروات دول كانت يومًا سندًا لها…
دولٍ فتحت أبوابها،
وقدّمت خبراتها،
وأسهمت في بنائها،
حين لم يكن المال وحده
كافيًا لصناعة دولة.
ويبقى السؤال القاسي:
لماذا كل هذا؟
لماذا السعي إلى تقويض أوطان لها تاريخ؟
ولماذا إضعاف شعوبٍ
لم تكن عدوًا يومًا؟
ومن أجل من تُهدم الجسور،
ويُشترى الصمت،
وتُعاد صياغة المواقف
بعيدًا عن أي اعتبار
للكرامة أو الوفاء؟
قولوا لهم.. إن المال،
مهما تضخّم، لا يصنع شرعية، ولا يمنح غفرانًا،
ولا يمحو ذاكرة الشعوب.
قولوا لهم.. إن تلك الدويلة
لم تولد من فراغ،
بل شُيّدت بعقول أبناءٍ
عربٍ ومسلمين،
وبسواعد عملت، وبثقةٍ متبادلة، وبأحلامٍ رأت
في الانتماء قيمةً عليا،
وفي الكرامة خطًا أحمر
لا يقبل المساومة.
قولوا لهم.. إن الشعوب لا تنسى… حتى حين تُجبر على الصمت؛ فالصمت ليس رضا،
والصبر ليس قبولًا،
والهدوء الذي يسبق العاصفة
لا يعني أن البحر
نسي غضبه.
قولوا لهم.. إن الشعوب
المغلوبة على أمرها
ترى،
وتفهم،
وتُميّز جيدًا
بين السياسة والحكمة،
وبين المصالح والخيانة،
وبين الواقعية
والتجرّد الكامل من الأخلاق.
قد يُجبر الإنسان على العيش تحت قرارات
لا يملك تغييرها،
لكنه لا يُجبر
على تبريرها،
ولا على التصفيق لها،
ولا على الإيمان
بأنها تمثّله.
قولوا لهم.. إن استخدام المال
لشراء المواقف
لا يرفع الدول، بل يعزلها،
ولا يصنع حلفاء حقيقيين، بل يراكم خصوماتٍ صامتة،
وإن السير في العلن
بلا اكتراث لنظرة الآخرين ليس شجاعة دائمًا، بل قد يكون فقدانًا
للإحساس بثقل التاريخ
وبعمق الجراح المفتوحة
في جسد الأمة.
قولوا لهم.. إن الشعوب
قد تصبر طويلًا،
لأنها تحب أوطانها،
وتخشى الفوضى،
وتتعلّق بالأمل…
لكن للصبر حدودًا.
وحين تُستنزف الكرامة،
ويُستباح الوجدان،
ويُطلب من الناس
أن يصفّقوا
لما يناقض فطرتهم
وذاكرتهم
وقيمهم،
يبدأ السؤال الكبير
الذي لا يمكن تجاهله:
إلى متى؟
قولوا لهم.. بوضوحٍ لا لبس فيه:
إن اللعب على حافة الصبر الشعبي
مقامرة خاسرة،
وإن الاستخفاف بوعي الشعوب
خطأ قاتل،
وإن شراء الوقت بالمال
لن يؤخّر الحساب،
بل يجعله أثقل.
قولوا لهم.. إن التاريخ
لا يرحم من باعوا أوطانهم
تحت لافتاتٍ براقة،
ولا يغفر لمن استبدلوا
العدل بالنفوذ،
والوفاء بالصفقات،
والكرامة بالأرقام والحسابات البنكية.
وقولوا لهم.. أخيرًا،
إن الشعوب حين تنفد قدرتها على الصبر
لا تعود تسأل،
ولا تشرح،
ولا تبرّر…
بل تُحاسب.
وطول الصبر،
لا يعني أبدًا
أن حدوده
غير موجودة.

بصيرتي برس بصيرة الوطن… بصيرتي برس