Uncategorized

عباس الماحى نقطة سطر جديدمصر يا اخت بلادي1


تُعَدّ العلاقات السودانية المصرية من أعمق العلاقات العربية والأفريقية جذورًا، إذ تمتد عبر آلاف السنين، مستندة إلى وحدة الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك…فالسودان ومصر هما ابنا وادي النيل، ذلك الشريان الحيوي الذي لم يكن مجرد نهر، بل ظل عبر العصور مصدر حياة، وجسر تواصل حضاري وإنساني بين الشعبين…
ارتبط البلدان منذ أقدم العصور بروابط حضارية وثيقة، حيث شكّل نهر النيل أساس الاستقرار الإنساني ونشوء الحضارات في شمال الوادي وجنوبه، وقد أسهم هذا الامتداد الجغرافي في تداخل السكان وتبادل الخبرات والثقافات والمعارف، مما أوجد تشابهًا واضحًا في كثير من العادات والتقاليد الاجتماعية، مثل احترام الكبير، وقوة الروابط الأسرية، فضلًا عن القيم الدينية والروحية المشتركة، التي شكّلت وجدان الشعبين، وقد تُوِّج هذا التقارب بروابط النسب والزواج، إذ يُعدّ زواج السودانيين والمصريين امتدادًا لوحدة نهر النيل، تختلط فيه الدماء كما اختلطت مياهه منذ الأزل… وهكذا تُرسّخ أواصر القربى ما جمعته الجغرافيا، ويغدو النسب جسرَ محبةٍ يربط شعبين بقلبٍ واحد ونيلٍ واحد.
وفي العصر الحديث، تعززت العلاقات السودانية المصرية بصورة كبيرة، خاصة في المجال التعليمي والثقافي، الذي يُعدّ أحد أعمدة هذه العلاقة الراسخة، فقد فتحت الجامعات والمعاهد المصرية أبوابها للطلاب السودانيين منذ بدايات القرن العشرين، وأسهم هؤلاء الخريجون في مجالات التعليم، والقضاء، والطب، والهندسة، والإدارة، والفكر والثقافة، وكان للبعثات التعليمية المصرية إلى السودان، والمدارس المصرية دورًا مهمًا في تعزيز الروابط بين البلدين، إذ لم تكن مجرد مؤسسات تعليمية، بل جسورًا ثقافية وإنسانية نقلت التجربة التعليمية المصرية وأسهمت في تخريج أجيال سودانية ومصرية تشبعت بروح الانتماء العربي والأفريقي المشترك. وأسهم هذا التفاعل التعليمي في تعميق التفاهم المتبادل وترسيخ قيم الهوية المشتركة… وعلى المستوى الثقافي، انعكس هذا التلاحم في مجالات الأدب والفن والموسيقى، حيث تأثر المبدعون في البلدين بعضهم ببعض، فكان الإبداع نتاجًا لتلاقح ثقافي ثري، عبّر عن وحدة الشعور والوجدان، وجسّد هموم الإنسان في وادي النيل وآماله.
أما على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فقد قامت العلاقات بين السودان ومصر على مبدأ التعاون في كل المجالات والتكامل ، انطلاقًا من إدراك مشترك لأهمية التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، ولا سيما ما يتصل بأمن المنطقة ومياه النيل. ورغم ما قد يطرأ أحيانًا من تحديات أو تباينات في وجهات النظر، فإن الروابط التاريخية والشعبية ظلت دائمًا أقوى من أي خلاف عابر، وقادرة على تجاوز الأزمات بالحوار والحكمة.
إن العلاقات السودانية المصرية ليست مجرد علاقات جوار، بل هي علاقة أخوة راسخة صاغها التاريخ، وعمّقها النيل، ورسّختها المصالح المتبادلة ووحدة الوجدان، وهي علاقة أثبتت عبر الزمن قدرتها على الصمود، إذ لم تكن يوماً مجرد علاقات جوار، بل قامت على وحدة المصير والتاريخ والتضحيات المشتركة. وقد تجلت هذه الروابط في مواقف مفصلية، خاصة في أوقات الأزمات والحروب…
ففي عام 1967، وخلال حرب يونيو، شارك الجيش السوداني إلى جانب أشقائه في الجيش المصري، تأكيداً لوحدة الصف العربي، ودعماً لمصر في مواجهة العدوان، وقد تمركزت وحدات سودانية على الأراضي المصرية، في موقف يعكس الإيمان المشترك بأن أمن مصر من أمن السودان، وأن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الأمة بأسرها،
وقبل ذلك، وفي عهد الرئيس الفريق إبراهيم عبود، قدم السودان واحداً من أهم مواقف الدعم الاستراتيجي لمصر، حين منحها حلفا لتكون جزءاً من مشروع السد العالي، وقد كان هذا القرار تعبيراً عن رؤية بعيدة المدى تُقدّم المصلحة المشتركة على الحسابات الضيقة، وتؤكد عمق الثقة بين البلدين، رغم ما ترتب عليه من تضحيات جسيمة للشعب النوبي بتهجيره من ارضه…
وفي الزمن الراهن، ومع الظروف الاستثنائية والحرب الدائرة في السودان، فتحت مصر أبوابها للسودانيين، أرضاً وشعباً، وقدّمت لهم الملاذ الآمن، في امتداد طبيعي لعلاقة الأخوة والمصير الواحد، ولم يكن ذلك غريباً على شعب مصر، طالما وقف إلى جانب السودان في محنه، كما وقف السودان إلى جانبه في لحظات فارقة من تاريخه…
هكذا تظل العلاقات السودانية المصرية نموذجاً للأخوة الصادقة، التي تُختبر في الشدائد، وتُصان بالمواقف، وتبقى ضاربة في الجذور مهما تعاقبت الظروف، وتبدلت التحديات…وستظل هذه العلاقات متجددة وركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية في البلدين، ما دام الإيمان بوحدة المصير حيًا في قلوب الشعبين، وما دام النيل شاهدًا على أن ما يجمع السودان ومصر أكبر وأبقى من كل طارئ وعابر.

بصيرتي برس بصيرة الوطن… بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى