Uncategorizedالأخبار المحليةالثقافة والفنونالرأي والمقالات

بلا دعم.. بلا مساندة.. ومع ذلك ينجزون!

عمر الجيلاني

بلا دعم.. بلا مساندة.. ومع ذلك ينجزون!

انطلاقاً من التأمل والفكر اليقظ، يكتب عمر جيلاني هذه الكلمات ليسجل المشهد كما يراه..

في لحظات التاريخ الحاسمة، تُختبر قيمة الإنسان بما يقدمه حين يقف وحيداً أمام مسؤولياته، لا بما يملك من مال أو منصب.
هناك أفعال تولد من رحم الحاجة، لتثبت أن الإرادة أقدر من الإمكانات، وأن العمل المخلص يضيء الطريق حتى إن غابت عنه الأضواء.
حين تتأمل بعين فلسفية، يدرك الفرق بين من يثرثر ومن يعمل يشبه الفرق بين السراب والماء: الأول يلمع في البعيد ولا يسقي، والثاني ينقذ حياة العطاشى ويصنع الفارق.

في هذا الأفق يطل فيلق البراء بن مالك – قطاع كسلا، شباب اختاروا أن يسجلوا أسماءهم في دفتر الإنجاز، لا سجلات الوعود.
بدأوا بـ الإصحاح البيئي في محليات كسلا، حتى شملت جهودهم كلية الهندسة والطب وامتدت إلى الداخليات التي يسكنها الطلاب.
سيّروا قوافل إغاثة للمناطق المتضررة من فيضان القاش، وأخرى إلى إخوانهم في الميدان، وصولاً إلى قلسا حيث نظّموا قافلة طبية لخدمة المواطنين.
أطلقوا مشروع الحقيبة المدرسية لأسر الشهداء، وأعادوا الحياة إلى قاعات كلية التربية بجامعة كسلا عبر الصيانة والتأهيل.
وحين استنجد بنك الدم بالسلاح الطبي في أم درمان، تحركوا بسرعة مذهلة وجمعوا وحدات دم فاقت التوقعات، لتثبت هذه اللحظة حجم التزامهم وقدرتهم على الاستجابة الفورية.

بين كل هذا التحرك، تساءلت عن مصدر تمويلهم، فتشابكت خيوط الحوار هاتفيًا مع الأخ عثمان علي طعمية، القائد الثاني للقطاع، وسألته: “إنتو يا طعمية من وين تمويلكم؟”
فجاءني صوته هادئاً واثقاً: “من الخيرين.”
تجمد لساني لحظة، وتعجبت: كيف لفيلق يحقق كل هذا الامتداد الميداني أن ينهض فقط بعطاء الخيرين دون دعم رسمي أو ميزانية ثابتة؟

زاد يقيني أنهم مظلومون إعلامياً ومادياً.
لا تغطية إعلامية تليق بما يفعلون، ولا دعم رسمي يعكس قيمة ما يقدمونه، رغم أن ما يقومون به يستحق أن يُروى ويُحتفى به.
لم ينتظروا الاعتراف، واستمروا في العمل، وأنا هنا لأعكس جهدهم، لأوثق العطاء الصادق الذي يسير في صمت، ويصنع فرقاً حقيقياً على الأرض.

يبقى التساؤل عن جدوى تجاهل هذه الطاقات، وكيف تُمنح الفرص والدعم لمن يقدم القليل أو لا يقدم شيئاً، بينما يبقى العطاء الحقيقي صامتاً في الظل. تخيل ما يمكن أن يُنجز هؤلاء لو وُفرت لهم الإمكانات والدعم العادل، وكم من حياة يمكن إنقاذها ومجتمعات يمكن خدمتها. الواقع يفرض التساؤل: كم من الإعلام والمؤسسات تحتاج إلى أن ترفع رأسها لترى من يستحق أن تُروى قصته ويُعترف بعمله الصادق؟

الجهود العظيمة لهذا الفيلق لا تنتظر إشادة من منازل تتراقص على ضوء النقود، ولا من ألسنة تهتف حيث تتجمع الفتات، وتتجاهل من يحتاجون فعلاً أو من يقدم للوطن لا شيئاً سوى الكلام. من ترك الحقائق تختبئ في الظل عليه أن يعرف أن من يزرع العمل الصادق، سيظل حصاده نوراً يهدي الطريق، مهما طال الصمت وغاب الضوء عنهم.

بصيرتي برس.. بصيره الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى