Uncategorized

بعد الحرب… هل يكفي أن نُعيد بناء البيوت إذا بقيت النفوس مكسورة؟

بعد الحرب… هل يكفي أن نُعيد بناء البيوت إذا بقيت النفوس مكسورة؟
✍️ د.اسامه مرزوق
“الحروب قد تُدمِّر المدن في لحظات، لكن آثارها في النفوس قد تبقى لسنوات.”
عندما تنتهي الحروب يبدأ الناس رحلة العودة إلى ديارهم التي غادروها مرغمين بحثاً عن الأمان. فيعودون إلى قراهم ومدنهم وهم يحملون أملاً كبيراً في استعادة الحياة التي تركوها خلفهم. لكن كثيرين قد يكتشفون أن الواقع الذي ينتظرهم ليس كما كان.
قد يجد البعض أن منزله قد تهدم كلياً أو جزئياً، وقد يعود آخر ليكتشف أن كل محتويات بيته قد أصبحت في خبر كان. وربما يقف البعض أمام بيوت جيران كانوا بالأمس جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، ليكتشف أنهم غادروا الحياة أو تفرقت بهم طرق النزوح واللجوء ، وقد تجد كوما من التراب امام بوابه جارك فتكتشف انه قبر احد افراد اسرتهم ، بل قد يجد البعض أن حوش منزله تحول الي مقبره لبعض الجيران ،بل إن خريطة الحي نفسه قد تتغير؛ أسرٌ رحلت، وأسرٌ عادت ناقصة العدد بعد أن فقدت أعزاءها ، فالمتوقع عند العوده بعد الحرب يتفاوت مابين الطفيف والمتوسط والعميق.
وهذه المشاهد ليست مجرد خسائر مادية، بل هي خبرات صادمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.(يتفاوت الناس في درجه الاستجابه لها منهم من يتأثر بدرجه خفيفه او متوسطه او عميقه وذلك تبعا لمبدا الفروق الفردية بين البشر)
في علم النفس تُصنَّف هذه التجارب ضمن الأحداث الصادمة الجماعية التي قد تؤثر على التوازن النفسي للفرد، وتترك آثاراً مثل القلق، والحزن العميق، والشعور بعدم الأمان، والخوف من المستقبل. أما في علم الاجتماع، فإن الحروب تُحدث ما يُعرف بـ الصدمة المجتمعية التي تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية وتغير بنية المجتمع والأسرة والجيرة.
لهذا فإن الحرب لا تدمر المباني فقط، بل قد تترك أيضاً ندوباً في الذاكرة والوجدان.
فمثلما تحتاج الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه إلى ترميم وإعادة بناء، فإن القلوب المكسورة، والنفوس المثقلة بالحزن، والذاكرة المثقلة بمشاهد الفقد والخسارة، تحتاج هي الأخرى إلى إعادة إعمار نفسي واجتماعي.
في مجال الصحة النفسية يسمى ذلك التعافي النفسي بعد الصدمات، وهو عملية تدريجية تهدف إلى استعادة الإنسان لتوازنه النفسي وقدرته على التكيف مع الواقع الجديد.
لكن الحقيقة المطمئنة التي يؤكدها علماء النفس هي أن الإنسان يمتلك قدرة مذهلة تسمى الصمود النفسي؛ وهي القدرة على النهوض من الأزمات والتكيف مع الظروف الصعبة.
الصمود النفسي لا يعني أن الإنسان لا يتألم، بل يعني أنه رغم الألم يستطيع أن يستمر في الحياة، وأن يبحث عن معنى جديد للأمل.
ولهذا فإن التعافي بعد الحرب لا يبدأ فقط بإعادة إعمار المدن، بل يبدأ أيضاً بإعادة إعمار الإنسان نفسه.
فالمجتمعات التي تتعافى سريعاً من آثار الحروب هي تلك التي تنجح في تعزيز التكافل الاجتماعي، حيث يقف الناس مع بعضهم البعض، وتحتوي الأسر أفرادها، ويجد الإنسان حوله من يسمعه ويدعمه.
كما أن العودة التدريجية للحياة الطبيعية – مثل العمل والتعليم والنشاط الاجتماعي – تساعد الدماغ على استعادة الشعور بالأمان والاستقرار.
ومن المهم أيضاً أن يدرك الناس أن طلب الدعم النفسي ليس ضعفاً، بل هو خطوة صحية تساعد الإنسان على تجاوز آثار الصدمات.
إن المرحلة القادمة ليست فقط مرحلة إعمار المكان، بل هي أيضاً مرحلة إعمار الإنسان.
فالمدن يمكن أن تُبنى من جديد، لكن بناء الإنسان يحتاج إلى صبر، وتضامن اجتماعي، ودعم نفسي متبادل، وإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل رغم كل ما حدث.
✍️د.اسامه مرزوق
دكتوراه علم النفس

بصيرتي برس بصيرة الوطن… بصيرتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى