Uncategorized

《الأسرة في زمن الحرب: حين يصبح البيت خط الدفاع النفسي الأول》


■ د.اسامه مرزوق
“في أوقات الأزمات لا يبحث الإنسان أولاً عن الحلول… بل يبحث عن الأمان.”
في زمن الحرب تتغير أشياء كثيرة.
تتغير المدن، وتضيق الموارد، وتكثر المخاوف، ويصبح المستقبل أكثر غموضاً. لكن وسط كل هذه التحولات يبقى شيء واحد ينبغي أن يظل ثابتاً قدر الإمكان: هو الأسرة.
الحروب بطبيعتها تضغط على الناس نفسياً واقتصادياً. القلق على المستقبل، الخوف على الأحبة، فقدان الاستقرار، والضغوط المعيشية… كلها عوامل تجعل الإنسان أكثر توتراً وحساسية. ولهذا فمن الطبيعي أن تتغير ردود الأفعال داخل الأسرة؛ قد يصبح البعض سريع الغضب، وقد تكثر الخلافات البسيطة، وقد تتحول كلمات عابرة إلى نقاشات حادة.
لكن من المهم أن نتذكر حقيقة نفسية مهمة: كثير من التوتر في زمن الأزمات ليس بسبب سوء النية، بل بسبب التعب النفسي.
لهذا تحتاج الأسرة في زمن الحرب إلى قدر أكبر من الوعي والاحتواء والصبر. ليس المطلوب أن يكون أفراد الأسرة مثاليين، فهذا غير واقعي في ظل الضغوط الكبيرة، ولكن المطلوب أن يدرك الجميع أنهم في فريق واحد يواجه ظرفاً صعباً.
العلاقة بين الزوجين تحديداً تشكل العمود الفقري للاستقرار الأسري. فعندما يكون بين الزوجين قدر من التفاهم والدعم المتبادل، يشعر الأبناء بالأمان حتى لو كانت الظروف الخارجية قاسية. أما عندما يمتلئ البيت بالصراعات، فإن القلق يتضاعف لدى الأطفال لأنهم يفقدون الإحساس بأن البيت نفسه مكان آمن.
الأبناء في الحقيقة يتعلمون من ما يرونه أكثر مما يسمعونه. فإذا رأوا والديهم يتعاملون مع الضغوط بالتعاون والصبر والاحترام، فإنهم يكتسبون مهارة نفسية مهمة هي القدرة على الصمود. أما إذا رأوا التوتر والصراخ الدائم، فقد يتسلل إليهم شعور عميق بالخوف وعدم الاستقرار.
ومن أبسط الأدوات التي تقوي تماسك الأسرة في الأزمات الكلمة الطيبة والتواصل الإيجابي. أحياناً جملة صغيرة مثل:
“نحن مع بعض”،
أو “سنمر من هذه المرحلة”،
أو “أنا أقدر تعبك”
قد تكون كفيلة بتخفيف ضغط نفسي كبير.
في علم النفس يسمى ذلك الدعم العاطفي، وهو أحد أهم العوامل التي تساعد الإنسان على تجاوز الأزمات.
ومن الحكمة أيضاً أن نتذكر أن الحرب ـ مهما طالت ـ تبقى ظرفاً استثنائياً مؤقتاً. فالتاريخ يخبرنا أن الحروب تنتهي، وأن المجتمعات تتعافى، وأن الحياة تعود لتبحث عن طريقها من جديد. لكن العلاقات الإنسانية التي تتصدع في زمن الأزمات قد تحتاج سنوات طويلة لترميمها.
لهذا فإن الحفاظ على تماسك الأسرة في زمن الحرب ليس رفاهية، بل هو استثمار نفسي واجتماعي للمستقبل.
قد تأخذ الحرب الكثير من الأشياء من حولنا، لكنها لا يجب أن تأخذ دفء العلاقات داخل البيت. فالأسر التي تنجح في الحفاظ على تماسكها في زمن العاصفة، غالباً ما تخرج من الأزمات أكثر قوة وترابطاً.
ففي نهاية المطاف، قد لا نستطيع التحكم في الظروف الكبرى من حولنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعامل بعضنا داخل البيت ،فالبيت المتماسك قد لا يوقف الحرب… لكنه يستطيع أن يحمي قلوب أفراده من الانكسار.
●سؤال للنقاش:
برأيكم… ما أهم سلوك يمكن أن يحافظ على تماسك الأسرة في زمن الأزمات والضغوط والحرب؟
■ تحياتي د.اسامه مرزوق

بصيرتي برس بصيرة الوطن… بصيرتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى