مطار بورتسودان..... الإنتقال من المحليه الي الدوليه
مطار بورتسودان….. الإنتقال من المحليه الي الدوليه
كتب: محمد عثمان الرضي
من داخل صالة كبار الزوار بمطار بورتسودان، وفي صباح الجمعة السادس من فبراير 2026، أكتب مقالي هذا وأنا أستعد لمغادرة البلاد متجهًا إلى العاصمة المصرية القاهرة، في رحلة تحمل أبعادًا شخصية، وتعكس في ذات الوقت تحولات وطنية فرضتها ظروف استثنائية.
تُعد هذه الرحلة الثانية لي عبر مطار بورتسودان منذ اندلاع الحرب، بعد سفر سابق إلى العاصمة الإريترية أسمرا، وكلتاهما عبر شركة تاركو للطيران، التي واصلت أداءها في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ الطيران المدني السوداني.قبل الحرب، كان مطار بورتسودان مطارًا محدود الحركة، يستقبل عددًا قليلًا من الرحلات الجوية، ويؤدي دورًا إقليميًا بسيطًا لا يتجاوز احتياجات المدينة وساحل البحر الأحمر.غير أن الحرب، بكل قسوتها، أعادت رسم الخارطة الإدارية للدولة، فغدت مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة لجمهورية السودان، ورافق ذلك تحوّل جذري في دور المطار وأهميته.اليوم، يستقبل مطار بورتسودان ما يقارب ثماني عشرة رحلة خارجية يوميًا، متجهة إلى مطارات مختلفة حول العالم، في مشهد يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في هذه المرحلة.ولأسباب أمنية معروفة، يعمل المطار يوميًا من الساعة الرابعة صباحًا وحتى الخامسة مساءً، ضمن إجراءات احترازية مشددة تتخذها سلطات الطيران المدني.وتأتي هذه الترتيبات في إطار التحوط بعد الاستهداف الجوي الذي تعرض له المطار في وقت سابق عبر الطائرات المسيّرة، في ظل التحديات الأمنية التي فرضتها الأوضاع الراهنة.وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للجنة العليا لتأهيل مطار بورتسودان، برئاسة الأمين العام لمجلس السيادة الفريق الركن محمد الغالي علي يوسف، الذي قاد هذا الملف بحضور واضح وإدارة فاعلة.وخلال فترة زمنية وجيزة، شهد المطار اختراقًا ملموسًا في مسار التأهيل والتطوير، انعكس على مستوى البنية التحتية وكفاءة التشغيل والخدمات المقدمة.المباني والإنشاءات الجديدة عند مدخل المطار، خاصة المكاتب الإدارية ومخازن الشحن التابعة لشركات الطيران، باتت تشكل مظهرًا عمرانيًا منظمًا وصورة جمالية تعكس روح التطوير.ولم يكن هذا التطوير شكليًا فحسب، بل أسهم في تحسين بيئة العمل ورفع كفاءة الأداء داخل واحدة من أهم بوابات السودان الخارجية.ويعمل ضباط وموظفو سلطة الطيران المدني بمطار بورتسودان في ظروف بالغة التعقيد، تتطلب جهدًا مضاعفًا والتزامًا عاليًا بالمسؤولية الوطنية.هؤلاء الكوادر يصلون الليل بالنهار من أجل تقديم خدمة متكاملة للمسافرين، ويستحقون وافر الشكر والتقدير على ما يبذلونه من جهد صامت.كما يبرز الدور المهني لضباط شرطة الجوازات بالمطار، بقيادة العقيد شرطة خالد حاكم، وطاقمه الذي يعمل بانضباط وتفانٍ ملحوظين.ويستحق النقيب شرطة محمد حسب الرسول إشادة خاصة، لما أبداه من اهتمام ومتابعة دقيقة منذ لحظة وصولي وحتى إتمام إجراءات الصعود إلى الطائرة.ولا يفوتني أن أبعث بخالص الشكر والتقدير لمدير الإدارة العامة لشرطة الجوازات، اللواء شرطة عبدالمحمود العوض، على رعايته واهتمامه ومتابعته المستمرة.ظل اللواء عبدالمحمود على تواصل معي هاتفيًا، متابعًا التفاصيل رغم وجوده بالعاصمة القومية الخرطوم، في موقف يعكس روح المسؤولية المؤسسية.وبرغم الجهود الواضحة المبذولة في تطوير وتأهيل مطار بورتسودان، إلا أن المطلوب لا يزال كثيرًا، خاصة في ما يتعلق بخدمات توصيل الأمتعة والأغراض من خارج المطار إلى داخل الصالات.وهي خدمة أساسية تستدعي التعاقد مع شركات عالمية ذات خبرة وتجارب معتمدة، بما يضمن انسياب الحركة، وتخفيف العبء عن المسافرين، وتحسين الصورة العامة للمطار.كما أن التعاقد مع شركة نظافة مقتدرة يمثل أولوية لا تقل أهمية، على أن تولي اهتمامًا خاصًا بنظافة الصالات والمرافق الخدمية..وتبرز هنا ضرورة التركيز بصورة مشددة على نظافة دورات المياه، نظرًا لاختلاف طبيعة استخدامها وتعدد روادها، إذ تُعد معيارًا مباشرًا لقياس جودة الخدمة واحترام المسافر.وتكتسب هذه الرحلة بعدًا شخصيًا خاصًا، إذ تُعد أول سفرية لي بعد فترة حظر السفر التي فُرضت عليّ في وقت سابق.وكان ذلك الحظر على خلفية إجراءات اتخذتها نيابة المعلوماتية ببورتسودان، في سياق بات معلومًا للرأي العام.اليوم، تأتي هذه المغادرة محمّلة بإحساس مختلف، يختلط فيه الامتنان باستعادة الحركة، والأمل بتجاوز ما مضى.ولا يمكنني أن أغفل الموقف الإنساني لصديقي وشقيقي الأصغر محمد “راحات”، الذي أصر على توصيلي إلى المطار رغم إرهاقه بعد يوم عمل طويل.هكذا تمضي الرحلة من مطار تغيّر دوره، ومدينة أعادت الظروف تعريف موقعها، وبلد يسعى لاستعادة توازنه وسط تحديات جسام.ويبقى مطار بورتسودان شاهدًا حيًا على قدرة المؤسسات الوطنية على الصمود والعمل، في مختلف الظروف.
بصيرتي برس.. بصيرة الوطن
