في ذكرى رحيل الدكتورة منى عبدالماجد بشير
الاستاذ الكاتب/ معتصم الخضر عامٌ مضى على ذلك الغياب المر، ولا زال صدى صوتكِ يتردد في أركان الذاكرة، ولا زال طيفكِ يمرُّ بنا كنسيم الفجر الصادق. عامٌ مضى والقلوبُ صابرةٌ محتسبة، تدركُ أنَّ مِثلكِ لا يرحلُ تماماً، بل يغيبُ جسداً ليبقى أثراً، وينامُ عيناً ليصحو في كل ثمرةِ علمٍ، وفي كل دعوةٍ صادقةٍ ترتفعُ نحو السماء. نمرُّ اليوم على ذكراكِ لا لنبكي الفقد، بل لنحتفي بمسيرةِ امرأةٍ صاغت من الصبرِ مجداً، ومن العطاءِ وطناً.لقد كانت البداية من هناك.. من “أم الطيور”؛ الأرض التي أنبتت هذا الشموخ، والمكان الذي شهد انطلاقة تلك الروح الوثابة. من ذلك الثرى الطاهر، خرجت “نخلة الشمال” لتعانق السماء، حاملةً معها قيم الأرض، وطهر المنبت، وعزيمة أهلنا التي لا تنكسر. في “أم الطيور” وُضع الحجر الأساس لتلك الشخصية الفذة، ومنها استمدت الدكتورة منى قوتها لتكون منارةً تهدي التائهين، وظلاً يأوي إليه المتعبون. لقد أثبتتِ يا فقيدتنا الغالية أنَّ الانتماء للأرض هو سرُّ الرفعة، وأنَّ من نبت في طين الوفاء، لا بد أن يثمر معرفةً تملأ الدنيا.يا معلمة الأجيال وقدوة القلوب..لقد علمتنا أن الحياة ليست مجرد سنوات تقضى، بل هي “قيمة” تُبنى. كنتِ تؤمنين أنَّ “القيمة الصفرية” هي مجرد وهمٍ أمام الإرادة، فجعلتِ من كل عثرةٍ سلماً للصعود، ومن كل فراغٍ إنجازاً يفتخر به الجميع. لم تكن قيادتكِ مجرد إدارة، بل كانت أماً تحتضن، وقدوةً تُلهم، وقوةً تدفع بالجميع نحو القمة.يا صوتاً لم يهن يوماً..ستظل سيرتكِ العطرة تشهد على مواقفكِ الجسورة في الدفاع عن الحق، وفي تمثيل المرأة السودانية بأبهى صورها: علماً، وأدباً، وشموخاً. كنتِ وفيةً لأهلك، مخلصةً لرسالتك، وسفيرةً للإنسانية في كل محفل. رحلتِ وبقيت مبادئكِ منقوشةً في صدور كل من عرفك، فكنتِ نِعم الابنة لـ “أم الطيور”، ونِعم القدوة لكل نساء الوطن.عزاؤنا في مرور هذا العام..أنكِ تركتِ خلفكِ ما لا تذروه الرياح؛ علماً ينتفع به الناس، وذريةً صالحة، وتلاميذ يحملون شعلتك، وذكراً حسناً هو “عُمرٌ ثانٍ” للإنسان. إنَّ الفراغ الذي تركتيه خلفكِ في الأماكن، تملؤه مآثركِ في القلوب، وسيبقى اسمكِ مقترناً بكل جميل، وبكل جهدٍ بُذل في سبيل رفعة هذا المجتمع.ونجد في السيره الذاتية للدكتوره منى عبدالماجد بشير علي الصائم ولدت ونشات ام الطيور شمال ( الغابة ) 1 يناير 1962م.وتلقت تعليمها الدراسي بأم الطيور الابتدائية مدرسة الطندب او (الدنبو)ثم كنور المتوسطةومن ثم البلك الثانوية بناتونالت شهادة المعهد العالي عام 1984. ثم بكالوريوس التجارة جامعة النيلين عام 1992م. ونالت درجة ماجستير المحاسبة من جامعة أم درمان الإسلامية 1997م وتشرفت بنيل الدكتوراه في المحاسبة عام 2004م، في موضوع “القيمة الصفرية”، الذي حمل دلالة رمزية على تحويل الفراغ إلى إنجاز، والتحدي إلى قيمة.في ساحات التعليم، كانت معلمةً ووكيلةً ومديرةً، صنعت أثرًا عميقًا في مدرسة شهداء الحارة التاسعة الثانوية بنات بين أعوام (1984م – 2011م) . وهناك، شيّدت صروح الانضباط والعطاء، وخرجت أجيالًا من الطالبات اللواتي حملن بصمتها في حياتهن العلمية والعملية.لم تكتفِ بالمدرسة، بل حملت هموم المعلمين في النقابة، فكانت صوتًا يدافع عن حقوقهم، وأسهمت في إنشاء مستشفى المعلم، لتترك بصمةً خالدة في خدمة قطاع التعليم. كما كان لها حضور اجتماعي فاعل في رابطة أبناء أم الطيور بالخرطوم، حيث شاركت في أنشطتها بصدق ووفاء لمسقط رأسها.ارتقت إلى المنابر الإقليمية والدولية، فمثلت المرأة السودانية في محافل الأمم المتحدة، وكانت وجهًا مشرفًا للوطن، تحمل رسالته وتُظهر للعالم صورة المرأة السودانية القادرة على الريادة حتي اصبحت الامين المالي لاتحاد نقابات عمال السودان حتي وفاتها رحلت الدكتورة منى يوم الأحد 9 فبراير 2025م بمدينة أم درمان،وبقيت سيرتها شاهدًا على أن المرأة السودانية قادرة على أن تكون منارةً للعلم، وأن أثرها سيظل ممتدًا في قلوب طلابها وزملائها وأهلهااللهم في ذكرى رحيلها السنوية، ارفع درجتها في المهديين، واخلفها في عقبها في الغابرين، واغفر لنا ولها يا رب العالمين. اللهم اجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأنزله منازل الصديقين والشهداء. اللهم جازها بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، واجمعنا بها في مستقر رحمتك تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.إنا لله وإنا إليه راجعون.. وستظلين فينا حيةً ما حيينا.
بصيرتي برس.. بصيرة الوطن
