حينما يحكم الصمت... تتحدث الطرق

منظور جديد
عامر خسون
حينما يحكم الصمت… وتتكلم الطرق
ليس كل مسؤول يحتاج إلى منصة، ولا كل إنجاز يحتاج إلى عدسة.
في ولاية القضارف، يبدو أن القاعدة مختلفة؛ فهناك والٍ اختار أن يعمل أكثر مما يتكلم، وأن يترك للأثر أن يسبق التصريح. الجنرال محمد أحمد حسن لا يظهر كثيرًا في المشهد الإعلامي، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل الولاية.
في زمن اعتدنا فيه على ضجيج المسؤولين، يلفت النظر مسؤول يهرب من الحوار، لا خوفًا منه، بل احترامًا له. حدّثني أحد أساتذتنا أنه طلب من والي القضارف إجراء لقاء صحفي، فجاءه الرد غير المألوف:
تجوّل في الولاية، وانقل سلبياتنا قبل إيجابياتنا، لنُصلحها.
جملة تختصر فلسفة حكم كاملة: لا قداسة للمسؤول، ولا حصانة للأخطاء، ولا خوف من النقد.
ومن الميدان أيضًا، حدّثني زميل إعلامي عن تعبيد وسفلتة الطرق داخل الولاية، وعن شارع الستين الذي بات شريانًا حيويًا يربط مناطق الإنتاج بحركة الناس والأسواق. الطريق هنا ليس مجرد إسفلت، بل رسالة تنمية، ودليل على أن الدولة حين تضع أولوياتها في المكان الصحيح، يتحرك الاقتصاد وتستقيم حياة الناس.
لم أزر ولاية القضارف منذ ما قبل الحرب اللعينة، لكن ما سمعته من الزملاء جعلني أشتاق لزيارة قضروف السعد، لا كسائح، بل كصحفي يبحث عن نموذج مختلف في الإدارة. نموذج يقول إن العدالة لا تُعلن، بل تُمارَس، وإن الحاكم العادل يُعرف من حديث الناس عنه لا من حديثه عن نفسه.
ولسان حال أهل الولاية — كما ينقله من يختلط بهم — يقول ببساطة عميقة:
في مدينتنا حاكم عادل.
هذا القول، إن صحّ، فهو أعلى وسام يمكن أن يُمنح لمسؤول في زمن الانقسام والوجع الوطني.
ولبقية الولاة أقول:
احذوا حذو هذا الرجل. اعملوا في صمت، افتحوا آذانكم للنقد، واسمحوا للناس أن تحاسبكم على الواقع لا على الوعود.
أما النداء الوطني الأوسع،
فهو أن السودان لا ينقصه الكلام، بل ينقصه هذا النوع من الرجال: مسؤولون يرون المنصب أمانة، والسلطة وسيلة، وخدمة المواطن غاية. متى ما شعر الناس أن في مدنهم حكّامًا عادلين، تبدأ الدولة في التعافي، حتى وسط الركام.