تصدير خردة الكهرباء في زمن الحرب: تساؤلات مشروعة ووثائق تستدعي التوضيح
السؤال الجوهري: من أين جاءت خردة الكهرباء؟

عامر حسون
منظور جديد
تصدير خردة الكهرباء في زمن الحرب: تساؤلات مشروعة ووثائق تستدعي التوضيح
في ظل الحرب الدائرة في السودان، وما صاحبها من انهيار واسع في البنية التحتية، يبرز ملف تصدير الخردة المعدنية كأحد أخطر الملفات التي تستوجب التوقف عندها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بخردة تعود لقطاع حيوي وحساس مثل قطاع الكهرباء، لما لهذا القطاع من ارتباط مباشر بحياة المواطنين واستقرار الخدمات الأساسية.
مستند رسمي يفتح باب التساؤلات
ورد إلى بصيرتي برس مستند رسمي صادر عن وزارة الصناعة – جمهورية السودان، ممهور بتوقيع وكيل الوزارة المكلّف آنذاك، يفيد بالسماح لشركة خاصة بتصدير خردة معدنية، استنادًا إلى إفادة بأن هذه الخردة قد تم شراؤها من شركة الكهرباء قبل صدور قرار تجميد صادر الخردة، وذلك وفقًا لقرار مجلس الوزراء الانتقالي رقم (50) لسنة 2024م.
وبحسب المعلومات المتوفرة حتى تاريخ النشر، فإن هذا المستند يثير تساؤلات مشروعة حول مصدر هذه الخردة، وسلامة الإجراءات المتبعة، ومدى مراعاة حماية المال العام في ظل ظرف استثنائي تمر به البلاد.
السؤال الجوهري: من أين جاءت خردة الكهرباء؟
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: من أين تم تجميع خردة الكهرباء خلال فترة الحرب؟
فخلال الأشهر الماضية، شهدت البلاد عمليات واسعة لسرقة محولات الكهرباء والكوابل والأعمدة، إضافة إلى تفكيك معدات لا تزال صالحة للخدمة، وهو ما أدى إلى انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي وزيادة معاناة المواطنين.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع حول ما إذا كانت الخردة التي سُمح بتصديرها ناتجة عن تفكيك قانوني لمعدات خارجة عن الخدمة بالفعل، أم أنها تعود لموجودات تم فقدانها أو إزالتها خلال فترة الانفلات الأمني، وهو أمر يظل بحاجة إلى توضيح رسمي من الجهات المختصة.
هل تم بيع كوابل الكهرباء عبر مزاد علني؟
تنص القوانين المنظمة للتصرف في أصول الدولة على أن بيع الخردة الحكومية يجب أن يتم عبر مزاد علني يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، مع الإعلان المسبق عن الكميات والأسعار والجهات المشترية.
وبناءً على ذلك، تطرح بصيرتي برس أسئلة مهنية مشروعة:
هل تم بيع هذه الخردة عبر مزاد علني؟
متى أُجري هذا المزاد؟
من الجهة التي أشرفت عليه؟
ما هي الكميات التي تم بيعها؟
وبأي أسعار؟
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر إفادات رسمية معلنة تجيب على هذه الأسئلة، ما يعزز الحاجة إلى مزيد من الشفافية.
مستند سابق يفتح ثغرة في قرار التجميد
وقبل المستند الأخير، ورد إلى بصيرتي برس مستند رسمي صادر عن جهة حكومية مختصة، تضمن السماح بتصدير ما وُصف بـ«القطع الصغيرة» من الخردة، باعتبارها غير مشمولة بقرار تجميد صادر الخردة.
غير أن هذا التصنيف، بحسب مراقبين ومهنيين في القطاع، يظل محل تساؤل، إذ إن غياب تعريف فني دقيق لماهية «القطع الصغيرة» يفتح عمليًا الباب أمام إمكانية تحويل القطع الكبيرة إلى أجزاء أصغر عبر التقطيع، ومن ثم تصنيفها ضمن الفئة المسموح بتصديرها.
وفي هذا الإطار، لا يكمن الإشكال في نص القرار بحد ذاته، بقدر ما يتركز في آليات تطبيقه والرقابة المصاحبة له، ومدى كفايتها لمنع أي تحايل محتمل، وضمان عدم خروج معدات أو أصول استراتيجية عن إطار الحظر المفروض.
كميات وعائدات خارج دائرة الشفافية
يشير المستند المتداول إلى تصدير كميات كبيرة من خردة الألومنيوم والنحاس، دون نشر تفاصيل دقيقة عن الأوزان، أو وجهات التصدير، أو القيمة الحقيقية للعائدات المالية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز تساؤل مرتبط بالمصلحة العامة حول ما إذا تم تحقيق أفضل عائد ممكن للدولة من هذه العمليات، خاصة في وقت تعاني فيه البلاد من شح الموارد وتزايد الاحتياجات الخدمية.
مسؤلية مؤسسية وحق الرائي العام
بحسب الهيكل الإداري، فإن الإجراءات المشار إليها تندرج ضمن اختصاص وزارة الصناعة، التي تتولاها حاليًا الوزيرة محاسن علي يعقوب. ويأتي ذكر الوزارة وقيادتها في هذا السياق بوصفه توصيفًا إداريًا للجهة المختصة، دون توجيه أي اتهام مباشر أو استنتاج قانوني.
وتؤكد بصيرتي برس أن الهدف من هذا النشر هو الدعوة إلى توضيح رسمي وفتح تحقيق مؤسسي شفاف من الجهات الرقابية والعدلية المختصة، يجيب على التساؤلات المطروحة، ويحدد المسؤوليات وفقًا للقانون.
حق الرد
تؤكد بصيرتي برس التزامها الكامل بقواعد العمل الصحفي المهني، وتكفل حق الرد والتوضيح لجميع الجهات ذات الصلة، وستقوم بنشر أي رد رسمي يرد إليها بذات المساحة ووفق الأصول الصحفية المتعارف عليها.
منظور أخير
في زمن الحرب، تصبح حماية الموارد الوطنية مسؤولية لا تحتمل الغموض أو التأجيل. وطرح الأسئلة اليوم ليس اتهامًا، بل ممارسة لحق مشروع في المعرفة، بما يضمن صون المال العام ومنع تكرار أي تجاوزات مستقبلًا.
فالسكوت عن هذا الملف اليوم…
قد يعني ظلامًا أشد غدًا.
وسنواصل متابعة هذا الملف بالصورة والقلم.