يوسف السماني: فنانٌ لم يغادر الوجدان.. ووطنٌ يسكن الأغنيات.


منظور جديد
عامر حسون
في زمنٍ أرهقته الحرب اللعينة، تبقى بعض البيوت مضيئة بأصحابها. كانت زيارتي إلى منزل القامة الوطنية دكتور يوسف السماني زيارة مختلفة، فيها دفء الإنسان وصدق الفنان وإحساس الشاعر.
كنت برفقة أستاذي الكبير عاصم البلال، والأستاذ عبدالباقي خالد العبيد، والأستاذ نوح السراج. كان الاستقبال بسيطاً وصادقاً، كعادة الكبار الذين لا تغيرهم الألقاب ولا تبدلهم الظروف.
دكتور يوسف السماني فنان شامل؛ شاعر وملحن ومغنٍ حمل في صوته وجدان الناس، وجعل من الكلمة رسالة ومن اللحن موقفاً. في حضوره تشعر أنك أمام إنسان عاش للفن وعاش به، دون تكلف أو ضجيج.
بعد الحرب، استقطع مساحة من منزله وحوّلها إلى استوديو صغير. لم ينتظر دعماً ولا إمكانيات كبيرة، بل قرر أن يستمر. كانت خطوة تعني أن الإبداع لا يتوقف، وأن الفن الحقيقي يولد حتى من قلب المعاناة. في ذلك الركن الصغير كان الوطن حاضراً في كل حديث وكل نغمة.
وبعد الإفطار، جلسنا في حلقة مميزة داخل الاستوديو. قدمها الأستاذ نوح السراج والأستاذ عبدالباقي خالد العبيد بروح خفيفة وأسلوب جميل، وكان ضيف الحلقة أستاذنا عاصم البلال. كانت جلسة بسيطة وعفوية، امتزج فيها الحديث الجاد بالابتسامة، واستعدنا خلالها ذكريات ومحطات من الفن والإعلام بعد الحرب. كانت حلقة خفيفة الدم لكنها عميقة في معناها.
ظل دكتور يوسف السماني يتغنى للوطن في مختلف المراحل، وغنى للسودان حباً ووفاءً، وجعل من صوته مساحة أمل في أوقات الشدة. لم يكن فنه ترفاً، بل انتماءً صادقاً لهذا البلد.
خرجت من تلك الزيارة وأنا أشعر أن الوطن بخير ما دام فيه رجال يحولون بيوتهم إلى منصات أمل، ويجعلون من الفن رسالة حياة.
وسوف نتحدث عن هذا الفنان في منظورنا القادم باستفاضة، لأن قامة مثل دكتور يوسف السماني لا تكفيها سطور، بل تستحق مساحة أكبر تليق بعطائها ومسيرتها.

بصيرتي برس بصيرة الوطن