من بورتسودان إلى القاهرة… رحلة طيران تحكي سيرة الوفاء والرياح والرجال

استغرقت بنا الرحلة صباح أمس الجمعة ساعتين كاملتين من مطار بورتسودان إلى مطار القاهرة الدولي، عبر طيران شركة تاركو السودانية، في رحلة بدت عادية في ظاهرها، لكنها حملت في تفاصيلها الكثير من الدلالات الإنسانية والمهنية.الفارق الزمني بين رحلة الذهاب ورحلة العودة ظل مثار تساؤل لدى كثيرين، إذ لا تتجاوز ساعة ونصف في طريق العودة من القاهرة إلى بورتسودان، وهو فارق تفسره قوانين الطبيعة قبل أي شيء آخر.رحلة الذهاب تسير عكس اتجاه الرياح، وتتعرض لمطبات جوية متكررة تعيق انسياب الحركة، بينما تأتي رحلة العودة في اتجاه الرياح، فتكون أكثر سلاسة وهدوءاً، وتصل في زمن أقصر.
هذه الحقائق شرحها لنا باحتراف وهدوء كابتن الطائرة محمد عبد العزيز، الذي ما إن استقرت الطائرة في الجو حتى غادر مقعد القيادة، وأتى إلى مقعدي بالدرجة الأولى.بادلني التحايا، وقدم شرحاً وافياً لطبيعة الرحلة منذ الإقلاع وحتى الهبوط، في لفتة تعكس روح الطيار السوداني وثقته بنفسه وقربه من الركاب.
الرحلة إلى القاهرة لم تكن رحلة عابرة، فقد رافقني فيها والي ولاية البحر الأحمر الأسبق بدوي الخير إدريس، أول والٍ للولاية في الفترة من 1994 وحتى 1998.جاء الوالي الأسبق إلى القاهرة بغرض العلاج من مرض الغضروف، وأسأل الله له عاجل الشفاء وتمام العافية، وأن يعود إلى أرض الوطن سالماً معافى.
بدوي الخير إدريس يعد من الشخصيات التي تركت بصمتها الواضحة في تاريخ ولاية البحر الأحمر، خاصة في سنوات التأسيس الأولى.كان أول من اهتم بتأسيس نادي البحا بمدينة بورتسودان من حيث البنية والأثاث والدعم، وأسهم بصورة كبيرة في انطلاقة نشاطه والاجتماعي.لم يكن اهتمامه مقتصراً على الرياضة فقط، بل شمل مختلف مناحي الحياة العامة، في فترة كانت فيها الولاية بحاجة إلى رجال دولة يتحسسون هموم الناس.
اليوم يشغل الوالي الأسبق بدوي الخير إدريس منصب رئيس جمعية الهلال الأحمر السوداني بالولاية الشمالية، مواصلاً ذات النهج الإنساني والخدمي.وبمبادرة كريمة تعكس روح الوفاء، تكفل رئيس جمعية الهلال الأحمر السوداني الأستاذ عبد الرحمن بلال بالعيد بعلاج الوالي الأسبق في العاصمة المصرية القاهرة.
جاء هذا التكفل تقديراً لما قدمه الرجل من عطاء وخدمة لولاية البحر الأحمر، وإكراماً لمسيرته التي لم تعرف التراجع أو المساومة.وفي ذات سياق حفظ الجميل، يبرز الأستاذ عبود الشربيني، أحد أعمدة هيئة الموانئ البحرية، والمسؤول عن ملف الرعاية الصحية بالهيئة.يتبنى الشربيني علاج قيادات ورموز الولاية الذين قدموا الكثير ولم يبخلوا في خدمة إنسانها، في مبادرة تعكس أصالة المؤسسات حين تُدار بعقول واعية.وتتحمل هيئة الموانئ البحرية كامل تكاليف العلاج، داخل السودان وخارجه، وعلى دائر المليم، دون ضجيج أو بحث عن الأضواء.عقب وصولي مباشرة إلى مطار القاهرة، كان أول حفل استقبال في منزل الزميل عامر حسون، الذي أقام مأدبة عشاء فخيمة على شرف قدومي.ضم اللقاء عدداً من رموز العمل الإعلامي، يتقدمهم الأستاذ عاصم البلال الطيب، في أمسية اتسمت بالود والحديث الصريح.

كما هاتفني القائمون على مبادرة “إقل عدنا”، بقيادة الشاب هيثم شيكاي، وبمشاركة الرجل الفخيم محمد آدم جنفل، وكيل ناظر قبيلة الحباب بدولة مصر.رحبوا بقدومي، وأكرموا وفادتي كعادتهم دائماً، في مشهد يؤكد أن الغربة لا تنزع من السودانيين معدنهم الأصيل.هكذا كانت الرحلة، ما بين طائرة تشق الرياح، ورجال يشقون طريق الوفاء، لتبقى التفاصيل الصغيرة شاهدة على أن السودان ما زال بخير برجاله ومواقفه.