منظمات “أيادي الخير”.. واجهة إنسانية أم أذرع تخدم التمرد؟
منظور جديد
عامر حسون
أيادي الخير؟

ملف المحاصيل المخزنة، المنح الدراسية، وعلاقة مستشار سابق بالدعم السريع يفتح أسئلة تنتظر الإجابة
في زمن الحروب تسقط كثير من الأقنعة، وتنكشف ملفات ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن الضوء. ومن بين هذه الملفات التي تستحق الوقوف عندها بجدية، ملف بعض المنظمات التي نشطت قبل اندلاع الحرب تحت لافتة العمل الإنساني والخيري، وعلى رأسها منظمات حملت اسم “أيادي الخير” وأسماء أخرى مشابهة.
هذه الكيانات ظهرت في المشهد العام باعتبارها منظمات طوعية تقدم المساعدات وتتبنى المبادرات الاجتماعية، وتتحرك تحت عناوين العمل الإنساني. لكن مع تطورات الأحداث واندلاع الحرب اللعينة في البلاد، بدأت تساؤلات كثيرة تطرح نفسها حول حقيقة الدور الذي كانت تلعبه بعض هذه المنظمات، وحول طبيعة ارتباطاتها ومصادر تمويلها.
فبحسب إفادات ومعلومات متداولة في الأوساط المهتمة بمتابعة نشاط المنظمات، فإن بعض هذه الكيانات لم تكن مجرد مؤسسات خيرية تقليدية، بل كانت تدير أنشطة اقتصادية واستثمارية إلى جانب نشاطها المعلن. وتشير مصادر إلى أن إحدى هذه المنظمات كانت تمتلك مخزوناً من المحاصيل الزراعية في أحد أحياء العاصمة قبل اندلاع الحرب، باعتبارها جزءاً من استثماراتها.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة:
ما هو حجم تلك المحاصيل؟
من كان يشرف على إدارتها؟
وأين ذهبت بعد اندلاع الحرب؟
الأمر الذي يزيد من أهمية هذا الملف أن بعض المعلومات تشير إلى أن أحد مستشاري قوات الدعم السريع المتمردة كان يتولى مسؤولية داخل إحدى هذه المنظمات في الفترة التي سبقت الحرب. هذا الشخص — بحسب ما يتردد — و(يدعي )عاد لاحقاً إلى ما وصفه البعض بالحضن الوطني، غير أن ذلك لا يلغي ضرورة توضيح طبيعة الدور الذي كان يؤديه داخل تلك الكيانات، وحدود العلاقة بين العمل الطوعي والنشاط السياسي أو العسكري في تلك المرحلة.
كما يبرز جانب آخر يستحق التوقف عنده، وهو ما تردد عن وجود منح دراسية كانت تُمنح عبر إحدى الجامعات المعروفة لصالح بعض المنتسبين إلى هذه المنظمات أو عبرها. وهو أمر يطرح بدوره أسئلة مهمة حول طبيعة تلك المنح، والجهات التي استفادت منها، وما إذا كانت قد تمت وفق إجراءات أكاديمية واضحة أم عبر ترتيبات خاصة.
إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف العمل الإنساني في حد ذاته، فالسودان عرف عبر تاريخه منظمات طوعية قدمت خدمات كبيرة للمجتمع وأسهمت في دعم الفئات الضعيفة. لكن ما كشفته الحرب من تشابكات بين المال والسياسة والسلاح يفرض مراجعة جادة لبعض الكيانات التي ربما استخدمت العمل الإنساني غطاءً لأنشطة أخرى.
بل إن المعلومات المتداولة تشير إلى أن بعض هذه المنظمات تحولت عملياً إلى واجهات تخدم التمرد وتوفر له غطاءً اجتماعياً، وربما اقتصادياً، في سنوات ما قبل الحرب. وإن صحّ ذلك، فإنه يمثل قضية خطيرة تمس نزاهة العمل الطوعي في البلاد.
وبعد الانتصارات المشهودة التي تحققت في الميدان ودحر التمرد في عدد من المناطق، تبرز ضرورة فتح هذا الملف دون تردد. فالمرحلة الحالية تفرض مراجعات حقيقية لأنشطة هذه المنظمات، وكشف حساب واضح لما قامت به خلال السنوات الماضية.
ومن حق الرأي العام أن يعرف الحقيقة كاملة:
ما هي مصادر تمويل هذه المنظمات؟
ما حجم استثماراتها؟
وما مصير الأصول التي كانت تمتلكها قبل الحرب، بما في ذلك المحاصيل التي قيل إنها كانت مخزنة في أحد أحياء العاصمة؟
كما أن من واجب الجهات المختصة، وعلى رأسها الجهات المعنية بتنظيم العمل الطوعي( العون الانساني وجهاز المخابرات الوطني)، مراجعة سجلات هذه المنظمات بدقة، وتوضيح ما تم بشأنها للرأي العام، حتى لا تبقى هذه الملفات رهينة الشائعات والتكهنات.
فالشفافية ليست ترفاً في مثل هذه القضايا، بل ضرورة وطنية. والسودان الذي يدفع اليوم ثمناً باهظاً للحرب يحتاج إلى وضوح كامل في مثل هذه الملفات، حتى يُحمى العمل الإنساني من الاستغلال، وحتى لا تتحول المنظمات الطوعية مرة أخرى إلى واجهات تخفي خلفها أجندات أخرى.
ويبقى السؤال قائماً:
هل كانت “أيادي الخير” وغيرها من هذه الكيانات مجرد منظمات إنسانية بريئة، أم أنها كانت جزءاً من شبكة مصالح خدمت التمرد في سنوات ما قبل الحرب؟
أسئلة مشروعة تنتظر إجابات واضحة.
وفي مقال قادم سنفتح ملف المحاصيل المخزنة بالتفصيل، ونكشف ما توفر من معلومات حول الجهات التي كانت تديرها قبل اندلاع الحرب.والاهم ملف (الاشخاص أنفسهم)….

بصيرتي برس بصيرة الوطن.. بصيرتي