Uncategorized

عندما تضيف الشهادات وجهاً آخر للحقيقة

عندما تضيف الشهادات وجهاً آخر للحقيقة

منظور جديد

عامر حسون

في حق شيخ الأمين

في العمل الصحفي تظل الحقيقة هي الغاية، ويظل القلم مطالباً بأن يراجع نفسه كلما ظهرت معطيات جديدة. فالصحافة ليست مجرد نقل للأحداث، بل هي أيضاً شجاعة في إعادة النظر حين تكتمل الصورة أو تظهر روايات أخرى تضيف إليها أبعاداً مختلفة.
قبل فترة كنت قد كتبت مقالاً يحمل نقداً واضحاً لما يدور حول شيخ الأمين، وكان ذلك في سياق أسئلة وملاحظات رأيت آنذاك أنها تستحق الطرح. غير أن الأمانة المهنية تقتضي أن نفتح المجال لكل شهادة يمكن أن تضيف جانباً آخر من الحقيقة.
في إحدى المناسبات الاجتماعية التقيت بالفنان ياسر تمتام، وكان حديثه يحمل عتباً لطيفاً على ما يُكتب أحياناً دون أن تُروى كل التفاصيل. وقد سرد تجربة شخصية عاشها خلال فترة الحرب، حين أُصيب بطلق ناري ومرّ بظروف صحية بالغة الصعوبة. وبسبب ظروف الحرب وتعذر الوصول إلى المستشفيات، تم إسعافه إلى مسيد شيخ الأمين، حيث وجد عدداً من الأطباء والجراحين الذين تعاملوا مع حالته، وتوفرت له الأدوية والإسعافات حتى تجاوز تلك المرحلة الحرجة.
لكن روايته لم تتوقف عند حدود تجربته الشخصية. فقد أكد أن المسيد خلال تلك الأيام العصيبة تحول إلى مأوى للناس، وأن الشباب المحيطين بالشيخ – من الحيران – كانوا يبادرون بإحضار المصابين لعلاجهم، كما كانوا يتحركون لدفن الشهداء حين تصلهم الأخبار، في مشهد إنساني فرضته ظروف الحرب القاسية.
وما لفتني في حديثه أيضاً تأكيده أن أبواب المسيد لم تكن مغلقة أمام أحد؛ فقد استقبل الناس على اختلاف أديانهم وخلفياتهم وألوانهم، في صورة تعكس معنى الرحمة والإنسانية. كان المكان، كما وصفه، ملاذاً لمن ضاقت بهم الحرب: مأكل ومشرب، علاج ودواء، بل وحتى دعم نفسي في زمن كانت فيه النفوس مثقلة بالخوف والقلق. وكأن المعنى يتجسد في القول المأثور: في كل كبدٍ رطبة أجر.
كما أشار تمتام إلى أن شيخ الأمين نفسه لم يكن بعيداً عن المخاطر التي فرضتها تلك الظروف، إذ ظل في موقعه رغم التهديدات والهجمات التي تعرّض لها المكان، مع وجود أسر وأناس احتموا به وسط تلك الأجواء المضطربة. ورغم ما أُتيح له – كما قيل – من فرص للخروج إلى أماكن أكثر أماناً، فإنه فضّل البقاء إلى جانب من لجأوا إليه.
إن نقل هذه الشهادة لا يعني التراجع عن حق النقد أو إغلاق باب الأسئلة، لكنه في الوقت ذاته محاولة لوضع جانب آخر من الصورة أمام القارئ. فالإنصاف يقتضي أن تُذكر الوقائع كما هي، وأن تُروى القصص التي عاشها شهودها.
وربما تظل الحقيقة الكاملة دائماً أكبر من رواية واحدة، لكن من واجب الصحافة أن تضع أمام الناس كل ما يمكن أن يضيء المشهد.

منظور أخير
وفي مقالٍ قادم سنعود إلى هذه القصة بتفاصيلها الدقيقة، بالاستماع المباشر إلى شهادة الفنان ياسر تمتام، وإلى ما دار داخل مسيد شيخ الأمين خلال تلك الأيام العصيبة.
ولعل ما قُدم من عمل إنساني في تلك الظروف يبقى – في ميزان الخير – مما يُرجى أن يكون في ميزان الحسنات.

بصيرتي برس بصيرة الوطن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى