Uncategorized

عباس الماحى نقطة سطر جديداليوم العالمي للمسرححين تقف الحياة على خشبةٍ من نور1


عباس الماحى

“الدنيا مسرحٌ كبير، وكل الرجال والنساء ما هم إلا ممثلون عليه.”
— ويليام شكسبير
منذ أن نطق الإنسان الأول بحكايته أمام جماعةٍ صغيرة حول نارٍ بدائية، وُلد المسرح…لم يولد كفنٍ منفصل عن الحياة، بل كحاجةٍ إنسانيةٍ عميقة إلى الفهم والتعبير والمشاركة، لذلك لم يكن غريبًا أن يُلقَّب المسرح عبر العصور بـ أبو الفنون؛ لأنه الفن الذي احتضن الجميع تحت سقفٍ واحد: الكلمة، والشعر، والموسيقى، والرقص، والتشكيل، والصوت، والضوء، وحتى الصمت.
المسرح ليس مجرد منصةٍ مرتفعة وستارةٍ تُفتح في موعدٍ محدد، بل فضاءٌ إنسانيّ حيّ تتلاقى فيه الأرواح قبل الأجساد…هو الفن الوحيد الذي يولد كاملًا أمام أعين الناس، لا عبر شاشةٍ ولا بين صفحات كتاب، بل في لحظةٍ لا تتكرر مرتين. فكل عرضٍ مسرحي هو حياةٌ جديدة، حتى وإن تكرر النص ذاته آلاف المرات.
ولأنه أبو الفنون، كان المسرح دائمًا نقطة التقاء الإبداع الإنساني… الكاتب يمنحه الفكرة، والممثل يمنحه الروح، والمخرج يمنحه الرؤية، والموسيقى تمنحه الإحساس، والديكور يمنحه المكان، والإضاءة تمنحه الزمن…هكذا يصبح العرض المسرحي عملاً جماعيًا يشبه المجتمع نفسه؛ لا يكتمل إلا بتكامل أدوار الجميع.
لقد أدركت الحضارات القديمة قيمة المسرح مبكرًا، فجعلته وسيلةً للتربية والتأمل والنقد الاجتماعي، وعلى خشباته طرحت الأسئلة الكبرى التي شغلت الإنسان منذ الأزل: العدالة، السلطة، الحب، الخوف، المصير، والحرية، ولم يكن المسرح يومًا بعيدًا عن واقع الناس، بل كان مرآةً صادقةً تعكس قضاياهم؛ يعالج الكثير من المشاكل الاجتماعية الماثلة، ويطرح معاناة الشعوب في مختلف أوجه الحياة، فيقرّب المسافات بين الألم والفهم، وبين المعاناة والأمل، فكان ضميرًا حيًا يواجه المجتمع بنفسه، ويمنحه فرصة أن يرى أخطاءه دون عداء، وأن يراجع ذاته دون خوف.
وفي عمقه فعلُ لقاء بين إنسانٍ يروي، وآخر يصغي. بين تجربةٍ تُعاش، ومشاعر تُستعاد…ولذلك ظلّ المسرح قادرًا على البقاء رغم تغيّر الأزمنة وتطور التقنيات؛ لأن الإنسان، مهما تقدّم، يظل محتاجًا إلى أن يرى نفسه في عيون الآخرين.
ويُحتفل باليوم العالمي للمسرح في السابع والعشرين من مارس من كل عام، وهو تقليدٌ أقرّه المعهد الدولي للمسرح التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، حيث بدأت فكرة الاحتفال به عام (1961م)، ليكون مناسبةً عالميةً يجتمع فيها المسرحيون للاحتفاء بهذا الفن، وتسليط الضوء على دوره في التقريب بين الشعوب وتعزيز الحوار الإنساني.
ومع حلول هذا اليوم، لا نحتفي بالمسرح بوصفه فنًا عالميًا فحسب، بل نستحضر أيضًا تجاربه المضيئة في فضاءاتنا العربية، ومن بينها التجربة السودانية التي تجلّت في مهرجان البقعة الدولي للمسرح، الذي يُنظَّم سنويًا منذ عام (2000م)، حيث تلتقي على خشباته فرقٌ من السودان وعددٍ من الدول العربية، في حوارٍ إبداعيّ يتجاوز الحدود. فقد أسهم هذا المهرجان في عكس الوجه المشرق للمسرح العربي، ومنح الكُتّاب والمسرحيين فضاءً رحبًا للتعبير والتنافس، خاصةً مع تخصيص جوائز كبرى شجّعت على الإبداع، ودعمت مسيرة التميّز، فغدا منصةً تُتوَّج فيها التجارب، وتُكتشف عبره المواهب الجديدة، ويُحتفى فيه بجمال الفن وعمقه. ويُحسب هذا المنجز الثقافي الكبير للأستاذ علي مهدي وأركان حربه، الذين آمنوا بالمسرح رسالةً، فصنعوا من الحلم واقعًا، ومن الخشبة منبرًا للحياة.
ومع حلول اليوم العالمي للمسرح، لا نحتفل بماضٍ فنيّ فحسب، بل نحتفي بروحٍ إنسانيةٍ مستمرة…نحتفي بالفن الذي علّمنا أن الحوار أرقى من الصراع، وأن فكرةً صادقة قد تغيّر مجتمعًا، وأن لحظة صدقٍ على خشبة صغيرة قد تفتح أبواب وعيٍ واسعة.
على المسرح، لا يوجد متفرجون فقط، بل شركاء في التجربة. فالممثل لا يؤدي دوره وحده؛ بل تتنفس القاعة معه، ويصبح الصمت لغةً مشتركة، وتتحول الدموع والابتسامة والضحكات إلى جسرٍ يربط الغرباء ببعضهم.
وفي عالمٍ تزداد سرعة إيقاعه، يبقى المسرح مساحةً نادرةً للإنصات؛ حيث يجلس الناس جنبًا إلى جنب، يشاركون الشعور ذاته بعيدًا عن عزلة الشاشات وبُعد المسافات…هناك يعود الإنسان إلى إنسانيته الأولى: يسمع، يشعر، ويتأمل.
ليس غريبًا أن يكون المسرح قريبًا من قضايا الناس؛ فهو ابن الشارع، وصديق الحلم، ورفيق الدرب، في الأزمات كان عزاءً، وفي لحظات النهوض كان شرارة التغيير، وفي كل زمن ظل شاهدًا على نبض المجتمع.
وفي يومه العالمي، لا نكرّم الممثلين وحدهم، بل نحيّي الكتّاب الذين زرعوا الفكرة، والمخرجين الذين منحوا النص روحًا، والتقنيين خلف الكواليس الذين صنعوا السحر في صمت، وكل روحٍ آمنت بأن الفن قادر على تهذيب الإنسان قبل إمتاعه.
في اليوم العالمي للمسرح، نتذكّر أن أعظم الأدوار ليست تلك التي تُؤدّى فوق الخشبة، بل تلك التي نعيشها بصدق خارجها، فالحياة نفسها مسرحٌ واسع، ونحن جميعًا ممثلون فيه… لكن أجمل الأدوار هي التي تُكتب بالإنسانية، وتُؤدّى بالمحبة، ويصفّق لها الضمير قبل الجمهور.
وهنا تتجلى الحقيقة التي لخّصتها العبارة الخالدة:
“أعطِنا مسرحًا… نُعطِكَ أمة.”
فالمسرح أبو الفنون لأنه الفن الذي لا يكتفي بأن يُرى…بل يجعلنا نرى أنفسنا.

بصيرتي برس بصيرة الوطن… بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى