Uncategorized

عباس الماحى نقطة سطر جديد ادخلوا البيوت من أبوابها


عباس الماحى

منذ زمنٍ بعيد، قبل أن تتعقّد العلاقات وتتشابك الطرق، علّمنا أجدادنا قاعدةً بسيطةً لكنها عميقة الأثر: ادخلوا البيوت من أبوابها…لم تكن مجرد عبارةٍ فحسب، بل منهج حياة، وفلسفة تعامل، وقانونًا أخلاقيًا يحفظ للناس كرامتهم ويصون العلاقات من الالتواء.
فالوضوح كان عندهم شجاعة، والاستقامة قوة، والطريق المباشر أقصر المسافات بين القلوب.
كان الرجل إذا أراد أمرًا، قصد صاحبه مباشرة؛ لا وسيط يحرّف الكلام، ولا طريقٌ ملتفّ يزرع الشكوك، ولا كلماتٌ تُقال في الغياب وتُفهم على غير مرادها…كانوا يعرفون أن الأبواب وُضعت للدخول، لا للقفز من النوافذ، وأن الطرق المستقيمة — مهما بدت صعبة — أكثر أمانًا من الدروب الملتوية.
لقد أدركوا بحكمتهم الفطرية أن كثرة الوسطاء تُربك المعاني، وأن الرسالة كلما ابتعدت عن صاحبها فقدت صدقها، فكم من علاقةٍ أفسدها ناقل كلام، وكم من سوء فهمٍ وُلد لأن الحقيقة لم تصل من مصدرها الأول.
ولهذا قالوا: “امشِ عدل يحتار عدوك فيك”.
فالإنسان الواضح يربك خصومه قبل أصدقائه؛ لأنه لا يترك مساحةً للتأويل، ولا يمنح الظنون فرصة للنمو.
إن الاستقامة حصنٌ منيع؛ فمن يسير مستقيمًا لا يخشى انكشاف طريقه، لأنه لا يحمل ما يخفيه.
في زمننا الحاضر، كثرت الطرق الجانبية، وأصبح البعض يبحث عن الالتفاف بدل المواجهة، وعن الرسائل غير المباشرة بدل الحوار الصريح. نرسل مشاعرنا عبر الآخرين، ونعبّر عن مواقفنا بالتلميح لا التصريح، ثم نتعجب حين تتعقد العلاقات وتضيع النوايا بين الظنون.
والخجل وعدم المواجهة لم يعودا مجرد صفاتٍ شخصية، بل تحوّلا في كثيرٍ من الأحيان إلى عائقٍ يُعيد تشكيل أبسط العلاقات الإنسانية… حتى في أنبل المقاصد، كاختيار شريكة الحياة، أصبح البعض يفضّل الالتفاف على الطريق المباشر، فيلجأ إلى الوسطاء بدل أن يطرق الباب بنفسه، ومع الوقت لم يعد الأمر مجرد عادة، بل تطوّر إلى مهنةٍ شبه مقننة تمارسها “الخاطبات”، بعد أن كان السعي للارتباط قائمًا على الشجاعة والوضوح، وعلى تحمّل الإنسان مسؤولية قراره وكلمته.
إن الخوف من المواجهة لا يحفظ الكرامة كما نظن، بل يُضعفها؛ لأن أصدق العلاقات تبدأ بخطوةٍ صادقة، وبكلمةٍ تُقال من صاحبها لا بالنيابة عنه. فكما أن للبيوت أبوابًا، فإن للقلوب أيضًا أبوابًا لا تُفتح إلا بالوضوح والصدق.
إن الدخول من الأبواب يعني احترام الآخر قبل كل شيء؛ احترام وقته، ومكانته، وحقه في أن يسمع منك لا عنك… وهذا قمة الرقي في علاقاتنا الاجتماعية، ويعني أيضًا شجاعة الاعتراف، وصدق الطلب، ونبل المقصد، فالطرق الملتوية قد توصلك أحيانًا، لكنها لا تمنحك تفاصيل مقصدك، أما الطريق الواضح، فحتى إن طال، فإنه يوصلك مرفوع الرأس.
وطالما هدفنا نبيل، فإننا نسير بخطى ثابتة لا تعرف المستحيل، نطرق الأبواب بثقة، ونتعامل مع الأمور بشجاعة ووضوح، دون أن نلتفت إلى الطرق الملتوية التي قد تضعف من عزيمتنا، فالساعي إلى الحق لا يحتاج إلى الالتفاف، بل إلى الثبات، ولا إلى وسيط، بل إلى صدق النية ووضوح الطريق.
ومن أخطر ما أنتجه ابتعادنا عن مبدأ الدخول من الأبواب، ظهورُ الوسطاء في المرافق الحكومية تحت مسمّياتٍ مختلفة؛ يسهلون الإجراءات ظاهريًا، لكنهم في الحقيقة نتيجةٌ مباشرة لتخلّينا نحن عن الطريق الصحيح. فحين ترددنا في التعامل المباشر مع المسؤول، وحين فضّل البعض الطرق المختصرة على المسار النظامي، فتحنا دون أن نشعر أبوابًا خلفية تسللت منها الرشوة إلى تفاصيل حياتنا اليومية.
ولم يقتصر أثر هؤلاء الوسطاء على تعقيد الإجراءات فحسب، بل امتد ليشمل الغلاء واستنزاف الناس؛ إذ أصبحوا سببًا مباشرًا في رفع التكاليف وإثقال كاهل المجتمع. ولا عجب أن نرى اليوم لافتاتٍ تُعلّق هنا وهناك تحمل عبارات مثل: “الوسطاء يمتنون”، في إشارةٍ مؤلمة إلى واقعٍ مقلوب، أصبح فيه الالتفاف طريقًا مألوفًا، بينما تراجع الطريق المباشر إلى الخلف.
ولعل الأخطر من ذلك أننا في كثيرٍ من الأحيان لا نكتفي بسلوك هذا الطريق، بل نأخذ به حقوق من سبقونا، أولئك الذين ينتظرون دورهم بصبرٍ لأنهم التزموا بالنظام وتعلّموا التعامل الصحيح في الدوائر الحكومية… نحن نتجاوزهم بالوساطة، ونقفز على أدوارهم، وكأننا نكافئ الالتفاف ونعاقب الالتزام.
وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية الحقيقية؛ فهذه الممارسات لا تقف عند حدود الدنيا، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد…إننا حين نساهم في هذا الفساد صراحةً أو ضمنًا — فإننا نحمّل أنفسنا تبعاته، ونضع أمامنا مسؤوليةً سنُسأل عنها يوم الحساب؛ لأن الظلم لا يضيع، والحقوق لا تسقط، وما نأخذه بغير وجه حق سيبقى دينًا في أعناقنا.
لم يولد هؤلاء الوسطاء من فراغ، بل من مساحةٍ منحناها لهم نحن؛ مساحة صنعها الخوف من المواجهة، أو استعجال النتائج، أو الاعتقاد بأن الأمور لا تُقضى إلا عبر شخصٍ “يعرف الطريق”. ومع مرور الوقت، تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وأصبح الوصول إلى الحق يحتاج إلى وسيط، وكأن الأبواب الرسمية لم تعد كافية.
إن التعامل المباشر مع المسؤول لا يحفظ فقط كرامة المواطن، بل يحمي المؤسسة نفسها من الفساد؛ لأن الشفافية تذبل حين تتكاثر الأيدي بين صاحب الحاجة وصاحب القرار.، وكلما طال الطريق بينهما، كثرت فرص الاستغلال، وضاعت المسؤولية بين الوجوه.
فالفساد لا يبدأ دائمًا بقرارٍ كبير، بل بخطوةٍ صغيرة نتنازل فيها عن حقنا، ونقبل فيها أن ندخل من غير الباب. وحين يصبح الالتفاف عادة، تتحول الرشوة من فعلٍ مستنكر إلى ممارسةٍ مألوفة، وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا يسعى للعدل.
لقد كان أجدادنا أقل تعقيدًا لأن قلوبهم كانت أكثر صفاءً…كانوا يؤمنون أن العلاقات تُبنى على الصراحة، وأن الكلمة المباشرة — مهما كانت صعبة — أرحم من ألف همسةٍ خلف الأبواب.
والحقيقة التي نحتاج أن نستعيدها اليوم هي أن الوضوح لا يجرح، بل الغموض هو ما يؤلم. وأن المواجهة الصادقة تحفظ الود، بينما الالتفاف يستهلكه.
فادخلوا البيوت من أبوابها…
قولوا ما تريدون بصدق، واطرقوا الأبواب بأدب، واسلكوا الطريق المستقيم وإن بدا أكثر ازدحامًا؛ لأن الطرق الواضحة قد لا تكون الأسهل، لكنها دائمًا الأكرم.
وحين نعود إلى التعامل عبر الأبواب، لا نُصلح معاملاتنا فقط، بل نُصلح أنفسنا أيضًا، فالمجتمعات لا تنهض بالقوانين وحدها، بل بثقافة الوضوح، ولا تُحارب الفساد بالشعارات، بل بسلوكٍ يومي يبدأ من الفرد قبل المؤسسة.
إن الطريق المستقيم قد لا يمنحك السرعة، لكنه يمنحك الاحترام، وقد لا يختصر المسافة، لكنه يحفظ الكرامة…وحين يتعلّم الناس أن يسيروا واضحين، وأن يطلبوا حقوقهم دون التفاف، تختفي الأبواب الخلفية تلقائيًا… لأن النور إذا دخل من الباب، لم يعد للظلال مكان.
من اعتاد الدخول من الأبواب، عاش مرفوع الرأس؛ فلا يحتاج في حياته إلى طريقٍ يعتذر عنه لاحقًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى