Uncategorized

عباس الماحى نقطة سطر جديد لا تسألوا الناس…بل فاسألوا الظروف


عباس الماحى

في حياة الإنسان لحظاتٌ لا يُقاس فيها غناه بما يملك، بل بما يصبر عليه؛ لحظاتٌ تنكشف فيها حقيقة النفوس حين تضيق السبل وتثقل الأيام، فيظهر الفرق بين من تهزّه الحاجة، ومن تصنع منه الشدائد إنسانًا أصلبَ وأسمى…فالأزمات كثيرًا ما تكون بدايةَ اكتشاف الإنسان لقيمته وصبره.


تتبدّل الأحوال في تقلبات الحياة بين يسرٍ وعسر، وغنىً وفقر، فيجد الإنسان نفسه في مواجهة اختباراتٍ تمسّ جوهر إنسانيته وكرامته، فليست الشدائد مجرد ضيقٍ ومعاناة، بل هي مواقف تكشف معادن الناس، وتُظهر ما في القلوب من صبرٍ أو ضعف، ومن قناعةٍ أو تذمّر.
وفي لحظات الضيق، حين تشتد الحاجة ويقلّ المعين، يقف الإنسان على مفترق طرق: طريقٌ يسير به نحو مدّ اليد للناس، مستسهلاً السؤال، وطريقٌ آخر يختار فيه الصبر والتعفف، متوكّلًا على الله، مؤمنًا بأن لكل ضيقٍ فرجًا، ولكل كربٍ مخرجًا.
إن هذه اللحظات تحديدًا هي التي تصنع الفارق بين النفوس؛ فهناك من تزلّ قدمه عند أول عثرة، وهناك من يشتدّ عوده كلما اشتدّت عليه الظروف…ومن هنا جاء المعنى العميق: لا تسألوا الناس…بل فاسألوا الظروف؛ أي واجهوا قسوة الحياة بالعمل والصبر، لا بالاتكاء على الآخرين، واجعلوا من المحن دافعًا للنهوض لا ذريعةً للإحباط.
قال الله تعالى:
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾
[البقرة: 273].
وهي آيةٌ تحمل في طياتها صورةً مشرقةً لأناسٍ ضاقت بهم الأحوال، لكنهم أبوا أن يُذلّوا أنفسهم بالسؤال أو أن يُرهقوا الآخرين بطلباتهم…لم يكن امتناعهم تكبّرًا، بل عزةَ نفسٍ وثقةً بأن الرزق بيد الله، وأن ما عنده لا يُنال بإلحاحٍ على الخلق، بل بصدق التوجّه إليه.


إن التعفف ليس مجرد امتناعٍ عن السؤال، بل هو موقفٌ ثابت يعكس قوة الإيمان وسموّ الروح؛ فكم من إنسانٍ يمرّ بضيقٍ شديد، لكنه يختار الصبر الجميل، ويخفي حاجته، ويواصل السعي بكرامة…هؤلاء قد لا يراهم الناس، لكن الله يراهم، ويعلم صدقهم، ويجبر خواطرهم.
وهناك صنفٌ من الناس لا يدركه الكثيرون، وهم الذين يُحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف؛ تراهم في هيئة الوقار، لا يشتكون، ولا يُظهرون حاجتهم، حتى يُظنّ أنهم في سعةٍ من العيش…هؤلاء هم أهل الكرامة والنفوس الرفيعة، الذين لا يربطون عزتهم بمالٍ أو جاه، بل بقوة قلوبهم واستعانتهم بالله.
وفي المقابل، برزت في بعض المجتمعات ظاهرةٌ مقلقة، وهي امتهان السؤال، حتى صار عند البعض حرفةً قائمة، وممارسةً منظمة تُدار بوسائل متعددة؛ فلم يعد السؤال عند هؤلاء ضرورةً يفرضها العوز، بل أصبح وسيلةً سهلةً للكسب دون جهد، تُستدرّ بها عواطف الناس وتُستغلّ بها مشاعر الرحمة…وقد اتخذ التسوّل أشكالًا متعددة؛ من ادعاء المرض، إلى استغلال الأطفال، إلى رواياتٍ مختلقة تُروى بإتقان… ونراهم في الأسواق، وعند الإشارات المرورية، وأمام البنوك والمطاعم وأماكن مختلفة، يضايقون الناس ويثقلون عليهم.
والمفارقة المؤلمة أن بعض هؤلاء، رغم قدرتهم أحيانًا على العمل، يختارون الطريق الأسهل، فيعتادون الأخذ دون عطاء، ويُضعفون في أنفسهم قيمة الكسب الحلال، بينما يقف المتعفف، في الجهة الأخرى، شامخًا رغم حاجته، يكدّ ويجتهد، أو يصبر بصمت، رافضًا أن يجعل من نفسه عبئًا على غيره، حتى لو كانوا ذوي قُربى.
إن الفرق بين الفريقين ليس في مقدار الحاجة، بل في طبيعة النفس؛ فالمتعفف قد يكون أشدّ فقرًا، لكنه أغنى نفسًا وأقوى إرادة، أما من امتهن السؤال فقد يملك ما يغنيه، لكنه افتقر إلى القناعة واستسلم لضعف النفس.
إن المجتمع الذي تنتشر فيه قيم التع

فف هو مجتمعٌ متماسك، تسوده الرحمة والتكافل دون أن تُهدر فيه الكرامة؛ فالمحتاج يتعفف، والقادر يتحسس حاجات غيره دون أن يُحرجه، وهكذا تُبنى العلاقات على الاحترام المتبادل، لا على الاستجداء أو الاستعلاء.
وليس المقصود من ذلك أن يُمنع الإنسان من طلب المساعدة عند الضرورة، فالدين يسر، والإنسان قد يضعف أو تعجز به السبل، لكن المقصود ألا يكون السؤال عادة، ولا أن يتحول إلى طريقٍ سهل يُغني عن السعي والعمل. فالأصل أن يبذل الإنسان جهده، ويصبر، ويتوكل، ثم إن احتاج سأل بقدرٍ وحياء، دون إلحاحٍ أو امتهانٍ للنفس.


وفي زمنٍ كثرت فيه الضغوط الاقتصادية في ظروفنا الاستثنائية واثقلت كاهلنا متطلبات الحياة، تصبح قيمة التعفف أكثر أهميةً من أي وقتٍ مضى؛ لأنها تحفظ توازن الإنسان، وتصون كرامته، وتُبقي المجتمع قائمًا على العمل لا الاتكالية، وعلى العطاء لا الاستغلال.


تبقى الحقيقة التي لا تتغيّر: أن الكرامة لا تُشترى، وأن النفس التي اعتادت الوقوف لا يليق بها أن تنحني إلا لخالقها…فاجعل بينك وبين السؤال سدًّا من العزة، وبينك وبين الحاجة جسرًا من السعي والصبر، فالدنيا لا تدوم على حال، لكن ما يبقى هو موقف الإنسان منها؛ إما أن يُذكر بعزةٍ حفظها، أو بذلٍّ رضي به.


ومن تعفّف اليوم رفعه الله غدًا، ومن صبر على ضيقه فتح الله له أبوابًا لم تخطر له على بال.
وليس الفقر أن تقلّ يدك، بل أن تضعف نفسك؛ فالعزة رزقٌ لا يمنحه الله إلا لمن تعفّف وصبر.

بصيرتي برس بصيرة الوطن بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى