عامٌ في قلب النار… ولم ينكسر: حكاية عاصم البلال من بحري إلى الحياة


منظور جديد
عامر حسون
عامٌ في قلب النار… ولم ينكسر: حكاية عاصم البلال من بحري إلى الحياة
عندما اندلعت الح. رب، وغادر كثيرون مدينة بحري بحثاً عن ملاذٍ آمن، قرر الأستاذ عاصم البلال أن يبقى. لم يكن القرار سهلاً، ولم يكن تهوراً. كان قرار رجلٍ ارتبط بالمكان بذكرياته، بجيرانه، بتفاصيل حياته اليومية. قالها بالفعل قبل القول: سأصمد.
عامٌ كامل عاشه في بحري تحت أصوات الرصاص، ودويّ القذائف، وسقوط الدانات. لم تكن هناك ليلة هادئة، ولا صباح يخلو من الترقب. كان النوم متقطعاً، إن حضر. وكان القلق مقيماً دائماً في القلب. انقطعت الكهرباء، شحّت المياه، وارتجفت النوافذ مع كل انفجار قريب. ومع ذلك، بقي.
لم يكن شاهداً بعيداً على ما يحدث، بل كان جزءاً من المشهد؛ يرى الشوارع التي عرفها تتحول إلى ساحات اشتباك، ويسمع الأخبار الثقيلة تتردد بين الناس، ويعيش تفاصيل الخوف كما عاش تفاصيل الحياة من قبل. عامٌ كامل وهو يحسب المسافات بين صوت الانفجار وارتداده، بين الطلقة وصداها، بين الصمت والقلق الذي يليه.
الصورة التي أمامنا اليوم ليست صورة تعب عابر. ملامحه الشاحبة تحكي أكثر مما يمكن أن يُقال. العينان تحملان آثار السهر الطويل، والوجه يسجل سنةً كاملة من التوتر والانتظار. لكنها في الوقت نفسه صورة رجل لم ينكسر. التعب ظاهر، نعم، لكن الثبات أوضح.
بعد عامٍ من البقاء، جاء قرار الخروج. لم يكن خروجاً عادياً، بل مخاطرة جديدة. الطريق نفسه كان احتمالاً مفتوحاً لكل شيء؛ رصاصة طائشة، قذيفة مفاجئة، دانة تسقط بلا إنذار. كان الانتقال من بحري إلى منطقة أكثر أماناً أشبه بالعبور فوق خيطٍ مشدود بين الحياة والموت.
وخلال طريق الخروج، واجه اعتراضات المليشيات. أُوقف في الشارع، أُنزِل من وسيلة تنقله، صودرت أمواله، وتعرض للضرب وسوء المعاملة لساعات عصيبة. لحظات ثقيلة ومؤلمة، لكنها لم تكن النهاية. خرج منها مرهقاً، متعب الجسد، لكنه ثابت الإرادة.
لم يكن ما حدث مجرد حادثة عابرة، بل امتداداً لعامٍ كامل من الاختبار القاسي. ومع ذلك، لم يُسمح للخوف أن يتحول إلى هزيمة، ولا للألم أن يتحول إلى انكسار.
اليوم، الأستاذ عاصم البلال بيننا. يمشي بين الناس، يعمل، يتحدث، يبتسم بثبات. يبدو في حالة جيدة، حاضر الذهن، قوي الروح. الحرب لم تُطفئ فيه شيئاً جوهرياً، ولم تُسقطه من داخله. إن نظرنا إلى صورته جيداً، سنرى التعب، نعم، لكننا سنرى أيضاً الصلابة.
هذه الصورة ليست مجرد توثيق لحظة، بل شهادة على عامٍ كامل في قلب النار. شهادة على رجل قرر أن يبقى حين كان البقاء مخاطرة، وقرر أن يخرج حين صار الخروج ضرورة، ونجا ليعود بين الناس كما كان… وربما أقوى.
الأستاذ عاصم البلال ليس فقط رجلاً عاش الحرب، بل مثالٌ على أن الإنسان قد يُرهق، قد يُضرب، قد تُسلب أمواله، لكنه يظل قادراً على الوقوف من جديد. عامٌ كامل في بحري لم يُنقصه، بل صقله.