حين تطرق الرتب العسكرية أبواب البنوك… من يحرس ضوابط بنك السودان؟

منظور جديد
عامر حسون
همس في الشارع العام في العاصمة الإدارية بورتسودان حول تعيين مدير عام لأحد البنوك المعروفة في السودان. هذا الحديث لم يعد مجرد همس في الكواليس، بل أصبح محور تساؤلات علنية يطرحها المختصون والمهتمون بالشأن المصرفي، خاصةً مع ما يُتداول عن أن المرشح للمنصب يحمل رتبة عسكرية رفيعة (جنرال سابق) ، في مقابل غياب الخبرة المصرفية المطلوبة لتولي منصب بهذه الحساسية.
القضية هنا ليست شخصية ولا مسميات، بل تتعلق بمبدأ أساسي: هل تُدار المؤسسات المصرفية بالضوابط أم بالاستثناءات؟ وهل يمكن أن يُغضّ الطرف عن الشروط المهنية تحت أي مبرر؟
من المعروف أن بنك السودان المركزي وضع ضوابط حوكمة صارمة وواضحة لتعيين المديرين العامين في المصارف. هذه الضوابط لم تأتِ من فراغ، بل جاءت لحماية النظام المصرفي، وضمان كفاءة الإدارة، والحفاظ على أموال المودعين، وتعزيز الاستقرار المالي.
ومن أبرز هذه الشروط:
ان يتمتع المرشح بخبرة مصرفية عملية لا تقل عن 15 عامًا بعد الحصول على المؤهل الجامعي شريطة ان يكون المؤهل جامعي في التخصصات ذات الصلة بالعمل المصرفي، مثل الدراسات المصرفية، المحاسبة، الاقتصاد، أو إدارة الأعمال.
بالتالي فان الترشيح يخضع للالتزام الكامل بما ورد في منشور حوكمة المصارف، الذي يُعد المرجعية الأساسية لإدارة البنوك.
وفي هذا السياق، نحن لا نعتقد أن بنك السودان يمكن أن يخالف ضوابطه أو منشوراته. تجاوز هذه الضوابط، إن حصل، سيكون أمرًا استثنائيًا وغير متوقع، ويطرح تساؤلات حول الالتزام المؤسسي، لكنه لا يعكس الممارسة المعتادة للجهة الرقابية.
لا أحد ينكر قيمة الخدمة العسكرية ومكانتها الوطنية، لكن الإنصاف يقتضي القول إن العمل المصرفي ليس ميدانًا للرمزية أو الخبرة غير المتخصصة. هو مجال دقيق، تحكمه أرقام ومخاطر وأنظمة ومعايير محلية ودولية، ولا يمكن إدارته بالعناوين العامة أو الخلفيات غير المصرفية.
إن تعيين مدير عام لبنك دون الخبرة المطلوبة – إذا ثبت – يثير التساؤلات حول مستقبل الحوكمة المصرفية ومصداقية الجهة الرقابية أمام الرأي العام. وإن كانت الشروط المهنية متوفرة في المرشح، فإن الشفافية تقتضي إعلان ذلك بوضوح، بدل ترك الشارع عرضة للشائعات. أما الصمت، فلا يُفسَّر إلا على أنه ارتباك أو تجاهل لحق الناس في المعرفة.
البنوك ليست إدارات عادية، ولا مؤسسات خدماتية بسيطة. هي عصب الاقتصاد، وأي خلل في قيادتها يدفع ثمنه المواطن قبل غيره. لذلك، فإن التساهل في معايير القيادة المصرفية ليس خطأ إداريًا فحسب، بل مخاطرة وطنية.
منظور أخير:
إدارة البنوك لا تُدار بالرتب ولا با التمنيات، بل بالكفاءة والخبرة والتخصص. وفي زمن الانهيارات الاقتصادية، لا نملك رفاهية المجاملات. القاعدة واضحة: أن نُعطي الخبز لخبازه.
ما يُتداول هذه الأيام في بورتسودان حول تعيين مدير عام لأحد البنوك المعروفة لم يعد مجرد حديث عابر، بل تحوّل إلى نقاش مشروع تمليه حساسية المرحلة ودقة القطاع المصرفي. فالقضية، كما ينبغي التأكيد، ليست استهدافًا لأشخاص ولا تشكيكًا في وطنيتهم، وإنما نقاش حول المبدأ والمعيار الذي يجب أن تُدار به المؤسسات المالية.
القطاع المصرفي ليس مجالًا يُدار بالاجتهاد أو الرمزية، بل تحكمه ضوابط مهنية صارمة وضعتها الجهة الرقابية نفسها، ممثلة في بنك السودان المركزي، عبر منشورات حوكمة واضحة لا تحتمل التأويل. هذه الضوابط لم تُسنّ ترفًا، وإنما لحماية أموال المودعين، وضمان سلامة النظام المالي، وتعزيز الثقة في المؤسسات المصرفية داخليًا وخارجيًا.
ومن المعلوم أن من أبرز هذه الشروط تمتع المرشح بخبرة مصرفية عملية لا تقل عن 15 عامًا بعد المؤهل الجامعي، على أن يكون المؤهل في تخصصات ذات صلة مباشرة بالعمل المصرفي. وعليه، فإن أي ترشيح لمنصب المدير العام يجب أن يخضع، دون استثناء، لهذه المعايير، لا بوصفها شكليات، بل باعتبارها جوهر الحوكمة الرشيدة.
نحن لا نفترض، ولا نرغب، أن يخالف بنك السودان منشوراته أو يتجاوز ضوابطه، فذلك سيكون أمرًا استثنائيًا لا ينسجم مع دوره الرقابي المعروف. لكن في المقابل، فإن الشفافية واجبة، خصوصًا عندما تتصاعد التساؤلات في الفضاء العام. فإذا كانت الشروط المهنية متوفرة في المرشح، فإن إعلان ذلك بوضوح كفيل بإغلاق باب الجدل وقطع الطريق أمام الشائعات.
ولا خلاف على قيمة الخدمة العسكرية ومكانتها الوطنية، لكن الإنصاف يقتضي الفصل بين الاحترام المستحق للخدمة العامة وبين متطلبات التخصص المهني. فالعمل المصرفي مجال تقني معقّد، تحكمه معايير محلية ودولية، ومخاطر مالية وتشغيلية لا تُدار إلا بخبرة متراكمة داخل القطاع نفسه.
إن أي تساهل في معايير تعيين القيادات المصرفية – إن حدث – لا ينعكس أثره على مؤسسة بعينها فقط، بل على ثقة الجمهور في النظام المصرفي ككل. والبنوك، بحكم دورها، ليست إدارات عادية، بل تمثل عصب الاقتصاد، وأي خلل في إدارتها يدفع ثمنه المواطن قبل غيره.
الخلاصة:
إدارة البنوك لا تُدار بالرتب، ولا بالمجاملات، ولا بحسن النوايا، بل بالكفاءة والخبرة والتخصص. وفي هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الاقتصاد السوداني، لا نملك ترف الاستثناءات. القاعدة واضحة، وبسيطة، وعادلة:
أن نُعطي الخبز لخبازه.