بدون ترددكسلا.. حين تتحول الولاية إلى وطنٍ كاملهاديّة صباح الخير تكتب

بدون تردد
ليست كل الولايات تُقاس بمساحتها الجغرافية، ولا بعدد سكانها، بل بما تتركه من أثر في لحظات الشدة. وهنا تحديدًا، تبرز ولاية كسلا كنموذجٍ مختلف، وكأنها “سودان مصغّر” يحمل همّ البلاد بأكملها، لا همّه وحده.
منذ اندلاع الحرب، لم تنكفئ كسلا على جراحها، رغم ما تعانيه من ظروف استثنائية وضغوط معيشية وأمنية معروفة. بل اختارت طريقًا أصعب: أن تكون سندًا لغيرها. نفرات الدعم التي انطلقت من أرضها لم تكن مجرد استجابات عابرة، بل كانت رسائل واضحة بأن هذه الولاية تفكر بعقل الدولة، لا بعقل الجغرافيا الضيقة.
وفي خشم القربة، خلال احتفالية “ليلة التنادي المجتمعي ونفرة دعم إقليم النيل الأزرق”، جاءت كلمة والي كسلا اللواء ركن (م) الصادق محمد الأزرق لتضيف بُعدًا عمليًا لهذا الدور؛ إذ لم يكتفِ بالإشادة، بل أعلن بوضوح التعبئة العامة، داعيًا إلى نفرة عاجلة لإسناد النيل الأزرق، ومؤكدًا أن ما حدث هناك هو نتاج تآمر وتدخلات خارجية، لا ضعفًا في الإرادة. كانت كلماته صادقة ومباشرة، تحمل مزيجًا من الألم والمسؤولية، وتعكس قائدًا يشعر بثقل اللحظة.
في قلب هذا المشهد، يقف الأزرق كواحد من القيادات التي قرأت المرحلة بوعي. لم يتعامل مع الأزمة بمنطق الإدارة اليومية، بل بمنطق القائد الذي يدرك أن تماسك الداخل هو أول الطريق لدعم الخارج. فكانت النتيجة: وحدة مجتمعية لافتة، وتكاتف قلّ نظيره، انعكس في قدرة كسلا على مدّ يد العون لولايات أنهكتها الحرب وسقطت في قبضة المليشيا قبل أن تستعيدها القوات المسلحة.
الأزرق، وبعيدًا عن أي اصطفاف، أثبت أنه قيادي من طراز خاص. ليس لأنه بلا أخطاء—فالكمال ليس من صفات البشر—ولكن لأنه استطاع أن يحافظ على خيط التوازن في ولاية معقدة التركيبة، وأن يدير تنوعها بقدرٍ من الحكمة جعل الغالبية—وربما ما يفوق 90% من الأصوات—ترفع له القبعات تقديرًا.
ومن باب الإنصاف، فإن من لا يشكر الناس لا يشكر الله. وما قدمته حكومة كسلا، بقيادة الأزرق، يستحق التقدير، بل ويستحق أن يجد مكانه في منصة التكريم الوطني، وعلى رأسها المجلس السيادي، لأن ما حدث لم يكن عملًا إداريًا عاديًا، بل جهدًا وطنيًا خالصًا في زمن الانقسام.
ومع ذلك، فإن الطريق أمام الوالي ليس مفروشًا بالورود. هناك ملفات مفتوحة، وأصوات—بعضها بدوافع سياسية أو شخصية—تحاول أن تعكّر هذا المشهد. وهنا تكمن المسؤولية الأكبر: أن ينتبه الأزرق للمرحلة القادمة، وأن يضرب بسيف خدمة المجتمع، واضعًا إنسان كسلا في مقدمة أولوياته، فهو الرصيد الحقيقي، وهو الحاكم الفعلي على نجاح أي تجربة.
بدون ثرثرة..
كسلا اليوم ليست مجرد ولاية… إنها فكرة.
فكرة أن الوطن يمكن أن يُبنى من الأطراف، وأن التماسك الاجتماعي ليس شعارًا، بل ممارسة يومية.
وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة البعض، فإنها في المقابل أظهرت معادن أماكن مثل كسلا… وأكدت أن في السودان ما يستحق أن يُروى، لا أن يُرثى.