Uncategorized

لماذا أصبح العمل العام في السودان طاردًا للكفاءات؟بين سطوة السياسة وقسوة الإعلام… من يدفع الثمن؟المستشار محمد عباس

✍️ المستشار محمد عباس

لم يعد العزوف عن العمل العام في السودان ظاهرة عابرة، بل أصبح واقعًا مقلقًا يدفع ثمنه الوطن قبل الأفراد. فالكثير من الكفاءات—وخاصة من فئة الشباب—اختارت الانسحاب إلى الظل، ليس لضعف في الرغبة، بل هروبًا من بيئة أصبحت، في نظرهم، طاردة لا حاضنة.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أصبح العمل العام مخاطرة لا يقوى عليها إلا القليل؟
بدايةً، لا يمكن تجاهل التسييس المفرط الذي طال كل مفاصل العمل العام. فالمبادرات الخدمية والإنسانية لم تعد تُقيَّم بميزان أثرها، بل بميزان انتمائها. وهذا الواقع خلق حالة من الحذر المبالغ فيه، حيث يخشى الكثيرون من أن يُصنَّفوا أو يُساء فهمهم، فيفضلون الابتعاد.
كما أن تراكم التجارب غير الناجحة لعب دورًا كبيرًا في تآكل الثقة. مشاريع وُلدت بحماس ثم اختفت، ووعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وممارسات فردية ألقت بظلالها على العمل الجماعي. كل ذلك جعل البعض ينظر إلى العمل العام كجهدٍ غير مضمون النتائج.
ولا يغيب عن المشهد عامل الخوف، خاصة في ظل فترات شهدت تضييقًا على النشاط العام أو استهدافًا للعاملين فيه. فحين تصبح المشاركة مخاطرة، يكون الانسحاب خيارًا مفهومًا.
ثم تأتي الضغوط الاقتصادية لتُكمل الصورة؛ إذ يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لتوجيه وقتهم وجهدهم نحو تأمين احتياجاتهم الأساسية، في ظل غياب أي عائد مباشر من العمل التطوعي.
غير أن من أخطر العوامل التي أسهمت في هذا النفور، ما يمارسه بعض الإعلاميين والصحفيين من “اغتيال معنوي” للشخصيات العامة.
فبدلًا من تبني نهج النقد البنّاء الذي يُقوِّم ويُصلح، تحوّل الخطاب في بعض المنصات إلى ساحة للتجريح، والتشكيك في النوايا، وتضخيم الأخطاء بصورة تفقد التوازن والإنصاف.
هذا النمط من الطرح لا يُسهم في الإصلاح، بل يصنع بيئة طاردة، يخشى فيها أصحاب الكفاءة من الظهور أو المبادرة، حتى لا يصبحوا هدفًا لحملات قاسية لا تفرق بين الخطأ والتجربة، ولا بين النقد والهدم.
إن الإعلام، حين يفقد بوصلته، لا يضر بالأفراد فقط، بل يضر بالمجتمع ككل، لأنه يُبعد عنه طاقات كان يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا.
ورغم هذا الواقع، لا يمكن الاستسلام لفكرة أن العمل العام قد انتهى. بل لعل هذه المرحلة تمثل فرصة لإعادة تعريفه وبنائه على أسس أكثر صلابة. فالمطلوب اليوم ليس شعارات، بل ممارسات: شفافية، وضوح، التزام، ونتائج—even وإن كانت متواضعة في بدايتها.
كما أن على الإعلام أن يستعيد دوره الحقيقي، كسلطة رقابية مسؤولة، تمارس النقد بهدف الإصلاح، لا الهدم؛ وتدعم الجهد الصادق بدلًا من محاصرته.
إن السودان لا تنقصه الكفاءات، بل تنقصه البيئة التي تحتضن هذه الكفاءات وتحميها. وإذا لم تُستعد هذه البيئة، فإن خسارة العمل العام لن تكون خسارة أفراد، بل خسارة وطن بأكمله.
يبقى الأمل قائماً..حين ندرك أن التغيير لا يُنتظر، بل يُصنع.
فالعمل العام ليس ترفاً.. بل واجبًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل..

#اللهأولاً
#إنهضبعملك

بصيرتي برس بصيرة الوطن… بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى