الأربعاء 25 مارس (2026م)عباس الماحي نقطة سطر جديد... فرفرة مذبوح

ليست الكلمات مجرد أصواتٍ مرتفعة نسمعها، بل أوعيةٌ للخبرة الإنسانية، وذاكرةٌ تختزن تجارب البشر، ومرآةٌ تعكس نظرتهم للحياة والانتصار والهزيمة…فبعض العبارات تولد من مشهدٍ بسيط، ثم تكبر مع الزمن حتى تصبح حكمةً شعبية تختصر مواقف كاملة بكلمتين فقط… ومن بين تلك العبارات التي تسللت إلى وجدان الناس واستقرّت في لغتهم اليومية، تبرز عبارة «فرفرة مذبوح»؛ تعبيرٌ قصير في لفظه، عميق في دلالته، يرسم صورةً مكثفة للحظة تقترب فيها النهاية، وتعلو فيها الأصوات قبيل السكون.
في كثير من الخطابات والصراعات والمواقف، نسمع هذه العبارة تُقال باقتضابٍ قاطع، وكأنها حكمٌ يلخّص مشهد الهزيمة وارتجافات اللحظة الأخيرة، تُقال أحيانًا بنبرة سخرية، وأحيانًا بثقة المنتصر، وأحيانًا أخرى ببرود المتفرّج الذي يعتقد أنه أدرك الخاتمة قبل أن تكتمل فصولها…وهكذا تحوّلت كلمتان بسيطتان إلى وصفٍ جاهز لكل محاولةٍ متأخرة، ولكل صوتٍ مرتفعٍ يسبق الانطفاء.
هذه العبارة، على بساطتها اللغوية، تنتمي إلى ذلك النوع من التعابير التي وُلدت ونشأت من المشهد الحسي المباشر قبل أن تتحول إلى رمزٍ نفسي واجتماعي،فالأصل فيها صورةٌ مألوفة في البيئة العربية القديمة؛ لحظة ما بعد الذبح، حين يتحرك الجسد بحركاتٍ متسارعة وغير منتظمة، تبدو للناظر وكأنها مقاومة أخيرة للحياة، بينما هي في حقيقتها استجابة جسدية لا تغيّر المصير.
ومن هنا جاءت المفارقة البلاغية التي منحت العبارة قوتها: حركةٌ بلا نجاة، ومقاومةٌ بلا قدرة على تغيير النهاية.
ومع مرور الزمن، خرجت العبارة من معناها الحرفي إلى آفاق المجاز، فأصبحت تُستخدم للدلالة على حالاتٍ متعددة بصورها المختلفة، وعلى الإفلاس بكل معانيه؛ سياسيًا حين يشتد ويتصاعد الخطاب بعد خسارة النفوذ، واقتصاديًا حين تكثر التصريحات والوعود قبيل الانهيار، وفكريًا عندما ترتفع الأصوات دفاعًا عن فكرةٍ فقدت قدرتها على الإقناع، بل وحتى في الهزائم الشخصية حين يحاول الإنسان إنقاذ ما انتهت أسبابه منذ زمن.
فعندما يكثر التبرير بعد الفشل، أو نسمع التصريحات المتفائلة لإنقاذ الموقف، أو يحاول شخصٌ إعادة بناء ما تهدّم بعد فوات الأوان، وترميم علاقةٍ تآكلت جذورها، يُقال إن ما يحدث ليس إلا «فرفرة مذبوح» — محاولة متأخرة تمنح الوهم بالحياة، بينما النهاية قد بدأت بالفعل.
غير أن انتشار العبارة لم يكن مجرد تطورٍ لغوي، بل انعكاسًا لطبيعة الإنسان في تفسير اللحظات الحرجة… فالناس تميل إلى قراءة النهايات قبل اكتمالها، وإصدار الأحكام قبل أن تنقشع الصورة كاملة… وهنا تتحول العبارة من وصفٍ لحالة إلى موقفٍ نفسي؛ يستخدمها المنتصر لتأكيد تفوقه، أو المتفرّج ليمنح نفسه شعور الفهم والسيطرة، وكأن الهزيمة كانت قدرًا واضحًا منذ البداية.
لكن السؤال الأعمق يظل حاضرًا:
هل كل محاولةٍ أخيرة دليل هزيمة فعلًا؟ أم أن الإنسان خُلق ليقاوم حتى حين تضيق السبل؟
فالإنسان، بحكم فطرته، لا يستسلم بسهولة؛ يحاول المقاومة ويجتهد لأنه يخشى النهاية، ويتمسك بالأمل والفرص الأخيرة لأن داخله صوتًا يقول إن الحياة قد تفاجئ أصحاب الصبر في أكثر اللحظات ظلمة، تلك التي يظنها الجميع الأخيرة… وما يبدو نهايةً في أعين الآخرين قد يكون، بالنسبة لصاحبه، المعركة الأصدق التي خاضها.
غير أن خطورة العبارة لا تكمن فقط في معناها، بل في قسوة استخدامها أحيانًا، فهي قد تتحول إلى حكمٍ نهائي يطلقه القوي على الضعيف، أو المنتصر على المهزوم، وكأنها سلبٌ لحق المحاولة نفسها…وهنا يغيب البعد الإنساني؛ لأن ما يبدو «فرفرة» في نظر البعض قد يكون، في نظر صاحبه، شجاعة اللحظة الأخيرة، أو أملًا يرفض أن يموت دون مقاومة.
فليس كل تحرّكٍ أخير علامة ضعف، بل قد يكون دليلًا على أن الروح لم تستسلم بسهولة، فالإنسان لا يُقاس بعدد انتصاراته فقط، بل بقدرته على الوقوف حتى وهو يعلم أن الأرض تميل تحت قدميه.
ولعل التاريخ نفسه يهمس لنا بحقيقةٍ مختلفة؛ فكم من فكرةٍ وُصفت يومًا بأنها أنفاسٌ أخيرة، فإذا بها تولد من جديد، وكم من إنسانٍ ظنّ الناس أن قصته انتهت، فإذا به يبدأ فصلًا أكثر إشراقًا… أحيانًا لا يكون الخطأ في الحدث، بل في استعجال الحكم عليه.
إن الإفلاس لا يحدث عند الخسارة، بل عند فقدان الرغبة في المحاولة، والهزيمة لا تبدأ حين تتراجع الخطوات، بل حين يقتنع القلب أن الطريق انتهى قبل أن يجرّب السير مرةً أخرى.
لذلك، ربما نحتاج إلى شيءٍ من التأنّي قبل إطلاق هذا الوصف؛ لأننا لا نعرف دائمًا هل ما نشهده نهاية فعلية، أم بداية جديدة لم تتضح ملامحها بعد.
وتبقى عبارة «فرفرة مذبوح» مرآةً لطبيعة الإنسان حين يواجه نهاياته؛ بعضهم يراها إعلان هزيمة، وآخرون يرون فيها آخر تجليات إرادة الحياة…وبين النظرتين مساحةٌ واسعة من الفهم والرحمة.
لأن الحقيقة التي يغفلها كثيرون أن الحياة لا تُقاس بلحظة التعثر، بل بما يبقى في الإنسان من قدرةٍ على النهوض، فقد تبدو بعض المحاولات في أعين الناس ارتجاف النهاية، لكنها في أعماق أصحابها إعلان وفاءٍ للحياة حتى آخر نبضة أمل…وربما ليست المأساة أن يحاول الإنسان متأخرًا، بل أن يتوقف عن المحاولة مبكرًا.
فما نراه «فرفرة مذبوح» قد يكون في ميزان الإنسانية آخر ما تبقّى من كرامة المقاومة، وآخر دليلٍ على أن الروح خُلقت لتسعى، لا لتستسلم… وأن أجمل ما في الإنسان أنه يحاول، حتى حين يظن العالم كله أن الوقت قد انتهى.